إعادة النظر في مفهوم الإبداع

يمثل الإبداع أحد المفاهيم التي غالباً ما يواجه مديرو الأعمال صعوبة بالغة في التعامل معها، ولهذا فقد لا نجد سوى بضع مؤسسات تبذل جهداً في محاولة فهمه أو تشجيعه بشكل منهجي.

والجانب الجيد في الإبداع هو إمكانية إدارته وتعزيزه، وذلك وفقاً لما تشير إليه أبحاث مستفيضة في هذا السياق. وهناك بعض الأشياء التي يمكن القيام بها لزيادة فرص بروز مبدعين خلاقين.

أما الاعتقاد السائد في عصرنا هذا، والذي يقول بأن الإبداع هو أمر يتعلق بالجيل الشاب، فهو غير دقيق على الإطلاق، فقد نجد الكثير من الأمثلة الرائعة عن مبدعين ناجحين متقدمين في السن في العديد من المجالات، بدءاً من ريادة الأعمال، مروراً بالاختراعات الجديدة، ووصولاً إلى الفنون.

ومع ذلك، فإن إبداع المتقدمين في السن يختلف تماماً عن إبداع الشباب اليافع المتحمس، ولذلك فهو يتطلب دوافع ومحفزات مختلفة. وتبقى الحرفة والمهارة عاملاً أساسياً في هذا الموضوع، إلا أنه يجب أن تكون مدعومة بقدرة إرشادية، والبناء على تجربة أوسع وأعمق، بدلاً من الاعتماد على حماسة الشباب.

وقد عملت مع زميلي الباحث المشارك، كيفين يونج، الأستاذ المساعد في الكلية العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية ESSEC، على محاولة فهم أنواع المعرفة والتدريب الأكثر ملاءمة للإبداع في مختلف مراحل المسيرة المهنية.

ينبع الإبداع بشكل عام من قدرة الأفراد على نشر وإعادة تجميع عناصر من معارفهم بأشكال جديدة وفي سياقات جديدة، إلا أن المعرفة بحد ذاتها تأتي بأشكال مختلفة، فقد تكون معرفة عميقة في مجال واحد، أو معرفة واسعة عبر عدة مجالات وتخصصات. فهل يمكن أن يختلف المهنيون الشباب عن أولئك الأكثر خبرة وتجربة في نوع المعرفة التي يستفيدون منها أكثر؟ أو، إذا أردنا أن نكون أكثر تحديداً، هل أن المحترفين الشباب يعتمدون على بناء الخبرة بشكل أكثر، بينما يعتمد المهنيون الأكبر سناً على توسيع آفاقهم؟

لقد حاولنا الإجابة عن هذا السؤال المثير للاهتمام، والذي قد يبدو للبعض مجالاً غير متوقع، ألا وهو صناعة الرسوم المتحركة في هوليوود. وأخذنا في سبيل ذلك مجموعة تضم 231 فيلم رسوم متحركة طويلاً تم إنتاجها في الولايات المتحدة من قبل شركات عريقة مثل ديزني وبيكسار بين الأعوام 1978 و2013، وقد استطعنا تحديد وتصنيف ما مجموعه 2070 مبدعاً أساسياً في هذه الأعمال.

وبشكل عام، دعمت النتائج التي توصلنا إليها فرضياتنا، والتي تقول بأن المعرفة العميقة في مجال ما تصبح تدريجياً أقل أهمية في الجانب الإبداعي مع تقدم المسيرة المهنية، وعلى العكس من ذلك، يصبح تأثير اتساع المعرفة أمراً أكثر فائدةً.

ولتوضيح مسارات دراسة فيلمي رسوم متحركة رائعين، دعونا نأخذ على سبيل المثال مخرجي أفلام الرسوم المتحركة المتألقين جون لاسيتر، وتيم بيرتون. فقد انطلقت شهرة جون لاسيتر مع شركة بيكسار مع عمله الأول «توي ستوري» الذي عرض عام 1996، وحاز العديد من الترشيحات، كما فاز بجائزة الأوسكار للإنجاز الخاص. وفي الواقع، كان فيلم «توي ستوري» نتاج معرفة عميقة في مجال واحد، تم تطويرها خلال فترة تدريب أمضاها جون في العمل على أفلام رسوم متحركة قصيرة من نفس النوع.

وعلى الجهة الأخرى، اتبع بيرتون طريقاً مختلفاً وغير مباشر، حيث أمضى سنواته الأولى في تجربة منهجيات وأنواع مختلفة من الرسوم المتحركة لم تكتسب الكثير من الصيت. ومع ذلك، استطاع تجميع خبراته المتنوعة تلك معاً في وقت لاحق، عندما استند إلى مصادره المعرفية الواسعة لابتكار التخيلات السوداوية التي تطغى على فيلمي «ذا كوربس برايد» و«فرانكنويني»، والذين حققا نجاحات كبيرة على الصعيدين التجاري والفني.

وكل هذا منطقي تماماً، فمن حيث الإبداع، تعتبر الخبرة في مجال واحد نقطة انطلاق أساسية، ولكن قد ينجم عنها عائدات متناقصة مع تقدم العمر، حيث تبدأ البنى الذهنية وعمليات التفكير بالتصلب وتفقد مرونتها. وعند هذه النقطة، يمكن للتفرع في مجالات مختلفة أن يعود بنفع كبير من خلال تخفيف الحواجز البنيوية، والدفع نحو المزيد من التفكير خارج الصندوق، أو التفكير بشكل مختلف.

ونحن في هذا البحث لا ندعي أننا كتبنا السطر الأخير في موضوع الإبداع خلال المسيرة المهنية وما يحدده. إلا أننا نعتقد بأن النتائج التي توصلنا إليها قوية ويمكن البناء عليها، وأن الآثار التي ينطوي عليها تتجاوز مجال الأفلام بالنسبة للأفراد والشركات على حد سواء.

ويتضمن البحث أربع نتائج رئيسية هي:

1- إن ربط التقدم بالسن بقلة الإبداع هو أمر غير صحيح جملة وتفصيلاً. فمن خلال التشجيع وتوفير البيئة المناسبة، يمكن للأفراد والمؤسسات أن يواصلوا إبداعهم لفترات طويلة، بغض النظر عن العمر.

2- الافتراض التقليدي بأن التدريب والتعلم يحدثان في بداية المسيرة المهنية، في ظل ضغوط التكنولوجيا وساعات العمل الأطول، هو أمر يجب أن نعيد التفكير به ملياً. وينبغي أن يكون التعلم المستمر أمراً ضرورياً، ولكن إذا كان الإبداع هو الهدف، فيجب أن ينتقل التركيز بمرور الوقت: من تعميق خبرة المجال أولاً إلى توسيع القاعدة المعرفية في منتصف المسيرة المهنية وما بعد ذلك، لدفع الأفراد إلى استكشاف طرق جديدة للقيام بعملهم.

3- وفي سياق متصل، يجب إعادة النظر بالأفكار التقليدية حول التطوير الوظيفي. وقد تكون الممارسة الشائعة المتمثلة في تعيين موظفين جدد من خلال نقلهم بين إدارات ووظائف مختلفة قبل أن يشغلوا منصباً دائماً هي طريقة خاطئة.

4- وأخيراً، يجب على الموظفين الجدد الذين من المحتمل أن يعيشوا حتى عمر 100 عام، والقادرين على العمل بشكل جيد وهم في عمر السبعين أو ما شابه، أن ينتهزوا كل فرصة لتوسيع قاعدة معارفهم إلى أقصى حد ممكن، كوسيلة مساعدة للإبداع المتواصل واكتساب المزيد من القوة والحيوية في أعمالهم.

* الأستاذ المساعد لمادة السلوك التنظيمي في كلية لندن للأعمال

طباعة Email
تعليقات

تعليقات