واقع المواطن الإماراتي المتسامح

يرسم المجتمع الإماراتي واقعاً متميزاً مشرقاً بأخلاقه وتسامحه، واقعاً أصيلاً يستمد جذوره من التعاليم الإسلامية والعادات العربية وسيرة الأجداد وقيم زايد الخير، الذي غرس التسامح في كل مكان، وأولاه فائق العناية والرعاية، حتى أضحى منظومة حياة للجميع في كل المجالات، وأصبح التسامح سمة أساسية من سمات المواطن الإماراتي.

فتجد المواطن الإماراتي أينما وجدته متسامحاً، لأنه نشأ على هذه الخصلة، وترعرع عليها، واستقاها من آبائه وأجداده وقادته، ومن دينه وثقافته وهويته، ولذلك عُرف بالبر والرحمة والكرم والإحسان، وحسن التعامل مع الناس، وكل من يزور دولة الإمارات أو يقيم فيها يلمس هذه الخصال من الإماراتيين واضحة جلية، وكم سمعنا من الأجانب من يشيد بهذه الخصال، بل إن بعضهم فضَّل البقاء في دولة الإمارات لتأثُّرهم بطبيعة أهلها وقيمهم السمحة.

إن المواطن الإماراتي متسامح بالأصالة، فهو امتداد لآبائه وأجداده، الذين ضربوا أروع الأمثلة في القيم والمثل العليا، بترابطهم وتكاتفهم، وبإيثارهم وتكافلهم، وبوقوفهم معاً في وقت الشدة والرخاء، وبصبرهم وجَلَدهم، وبكرمهم وحسن ضيافتهم، وبإحسانهم إلى القريب والغريب، وفي هذه البيئة المثالية نشأ المواطن الإماراتي الحديث، الذي بقي متمسكاً بميراثه وتراثه الأخلاقي، رغم تغير أنماط الحياة مع التطور والازدهار وثورة التقنيات الحديثة.

لقد بقي المواطن الإماراتي وفياً لقيمه السمحة، وقد كان للقيادة الحكيمة في دولة الإمارات دور كبير في تعزيز ذلك، فقد بذلت كل الجهد لخلق حياة متوازنة لدى المواطنين تجمع بين أصالة الماضي ونهضة الحاضر وآمال المستقبل، قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه:

«إذا كان هناك من ترك عادات الأسلاف فقد أخذنا الاحتياط وأخذنا الدرس، ورأينا كيف انهمك غيرنا فيما تحتويه المدنية من مزايا وعيوب، وهذا أعطانا الحذر، ولهذا فقد أقمنا المناطق السكنية الخاصة بأهل البلاد، حتى يحافظوا على أخلاقهم وأطباعهم والروابط الأسرية بينهم».

وأضحى تعزيز التسامح الذي هو من أجمل قيم الأصالة على رأس أولويات القيادة الحكيمة، وتجلت صور ذلك في شتى المجالات، ابتداء من تنشئة الأجيال على قيم التسامح عبر المواد الدراسية وخاصة مادة التربية الإسلامية والأخلاقية، ومروراً بالمبادرات المجتمعية العامة ومنها مبادرة عام التسامح.

إن جوانب التسامح في واقع المواطن الإماراتي كثيرة، ومن صور ذلك تسامحه مع الجيران، فقد ضرب أجدادنا أروع القيم في التسامح فيما بينهم على مستوى الجيران.

فكان الجار يعامل جاره وكأنهم جميعاً أسرة واحدة، يتبادلون مشاعر الاحترام وسلوكيات حسن الجيرة، ويتعاضدون ويتساندون في الشدائد والمحن، وها هي الأجيال الإماراتية الحاضرة تعكس هذه القيم فيما بينها، فترى الجيران يتواصلون ويتزاورون ويتعاونون ويتكافلون، تجمعهم أواصر الترابط والألفة والمشاعر الدافئة، وقد بقيت معاني الجيرة لتجسد أجمل العلاقات بين أهالي الحي الواحد.

ومن صور تسامح المواطن الإماراتي كذلك حسن تعامله مع زملائه في العمل، سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، فهو يخاطب الجميع باحترام، ويعاملهم بالأخلاق الحميدة، مهما كانت مواقعهم في العمل، ومهما كانت جنسياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم.

وكذلك تعامل المواطن الراقي مع المتعاملين، دون تمييز بينهم بسبب جنسية أو دين أو عرق، فهو يتعامل مع الجميع وفق المعايير الأخلاقية الراقية، وكل من يزور المؤسسات ومراكز المتعاملين التي تقدم خدماتها للناس لا يجد أدنى فرق في التعامل مع إنسان أو آخر، فالكل سواسية، ليس فقط أمام الأنظمة الإدارية، بل أمام التعامل الإنساني الراقي، فالوجه البشوش لا يفرق بين إنسان وإنسان.

ومن الصور المشرقة لتسامح المواطن الإماراتي كذلك تسامحه مع الخدم، فالخادمة لدى الأسرة الإماراتية معززة مكرمة، تُعامَل بكل احترام وتقدير، بل إنها تصبح مع الأيام كفرد من أفراد الأسرة، وكم سمعنا عن أسر إماراتية تودّع خادماتها بكل تكريم وحفاوة وبمشاعر ملؤها الشكر والعرفان، لأن الأخلاق الجميلة وحسن العشرة كانت عنواناً متبادلاً لهذه العلاقة المتميزة بين الأسر والخدم.

ومن جوانب تسامح المواطن الإماراتي أيضاً حسن تعامله مع كل من يعيش على أرض دولة الإمارات من زائر ومقيم، على اختلافهم في الأديان والجنسيات والأعراق والثقافات، فعلاقته معهم تقوم على مبدأ قبول الآخر واحترامه والتسامح معه، لا يسأل هذا عن دينه، ولا ذاك عن عرقه، بل يعامل الجميع وفق مكارم الأخلاق، احتراماً وبراً وإحساناً، دون تمييز ولا طائفية ولا عنصرية، حتى أصبحت دولة الإمارات مجتمعاً جاذباً يقصده الزوار والمقيمون من كل مكان.

إن دولة الإمارات بقيادتها الحكيمة ومجتمعها الأصيل أنموذج مشرق للتعايش السلمي، والتسامح الحضاري، وإن واقع المواطن الإماراتي المتسامح أنموذج إنساني يُحتذى به في تقبله للآخرين واحترامه لهم، انطلاقاً من هويته وثوابته التي يحافظ عليها، والتي توجب عليه التحلي بهذه الأخلاقيات الحميدة.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه

* رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات