جمهورية إسرائيل الثالثة

تحفل نتائج الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الحادية والعشرين، بدلالات خطيرة وجديدة نوعياً، حيث منحت اليمين القومي والديني المتشدد وعلى رأسه بنيامين نتانياهو، الحق في تشكيل الحكومة الجديدة الخامسة والثلاثين منذ إقامة إسرائيل، وتمثل الحكومة التي يعكف نتانياهو على تشكيلها بداية الولاية الخامسة لنتانياهو، ومن ثم يفوق بقاؤه في رئاسة الحكومة مدة بقاء مؤسس الدولة بن غوريون في هذا الموقع، والذي قضى فيه نحو ثلاثة عشر عاماً، تتوزع هذه الولايات الخمس بين التواريخ التالية 1996-1999، و2009 إلى 2019 ومن 2019 حتى 2023؛ إذا ما قدر للائتلاف الذي تستند إليه الحكومة أن يتجنب الانشقاق، والتفكك بسبب بعض القضايا.

أول وأخطر هذه الدلالات لنتائج هذه الانتخابات يتمثل في ولادة «جمهورية إسرائيل الثالثة» بعد إسرائيل الأولى مع إعلان قيامها في عام 1948، والثانية بعد عدوان عام 1967 واحتلال بقية أراضي فلسطين التاريخية والانتدابية؛ وتتميز إسرائيل الثالثة بتحديد هويتها كدولة يهودية، وأنها الدولة القومية لليهود وتتمحور سياساتها الاستعمارية حول الاستيطان والتهويد والسيطرة على أرض إسرائيل الكاملة، وحصر أكبر عدد من أبناء الشعب الفلسطيني في أقل مساحة ممكنة من الأرض في جيوب معزولة ومحاصرة، وتطبيق الفصل العنصري ليس باعتباره ممارسات جزئية أو أخطاء، بل باعتباره قانونياً ودستورياً.

بالإضافة إلى ذلك فإن التمركز حول هوية إسرائيل كدولة قومية لليهود في فلسطين التاريخية، يتطلب من وجهة نظر ورؤية اليمين القومي والديني المتطرف بزعامة بنيامين نتانياهو المطالبة بضم المنطقة (ج) من أراضى الضفة الغربية، وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، وتعادل مساحة هذه المنطقة 60% من مساحة الضفة الغربية، ويرتهن مصير المناطق (أ) و(ب)، في الضفة بالتداعيات التي من الممكن أن تنشأ من ضم المنطقة (ج) وموقف السلطة الفلسطينية، والمقاومة إزاء هذا الأمر، والهدف من الضم الذي صرح به نتانياهو خلال الحملة الانتخابية هو تفكيك أوصال الدولة الفلسطينية والقضاء النهائي على حل الدولتين بل والإجهاز على ميراث أوسلو.

هذه السياسات الإسرائيلية سواء تعلق الأمر بما هو مطبق منها فعلاً، كتوسيع المستوطنات وتهويد القدس، أو ما تزمع إسرائيل تطبيقه بشأن ضم المنطقة (ج)، وتستند إلى مناخ دولي صديق لإسرائيل إن في الولايات المتحدة الأمريكية أو في العديد من الدول الأوروبية؛ حيث يسيطر اليمين الشعبوي والمتطرف والعنصري على مقاليد الأمور وتبني ترامب الرؤية الإسرائيلية، وضعف الحاضنة العربية للشعب الفلسطيني وتمكين إسرائيل من استثمار الصراع في المنطقة بين الدول الإقليمية لصالحها.

أما ثاني هذه الدلالات للانتخابات الإسرائيلية فيتمثل في قصور تحالف «أزرق أبيض» عن طرح برنامج بديل لبرنامج اليمين القومي والديني؛ حيث ركز هذا التحالف على الاستقامة الشخصية ونظافة اليد لرموزه، بينما شاب مواقفه الغموض والعمومية عندما تعلق الأمر بالاحتلال والحل السياسي، وتميزت هذه المواقف بضبابية تحول دون رؤية البرنامج الحقيقي للتحالف، وما إذا كان يطرح بديلاً لبرنامج اليمين الذي تميز في المقابل بالوضوح والصراحة.

حظي نتانياهو بدعم من ترامب أثناء الحملة الانتخابية خاصة بعد إعلان المدعي العام عزمه على توجيه لائحة اتهام ضده، حيث سارع ترامب بإعلان اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، والمفارقة أن روسيا قامت هي أيضاً بتقديم خدمة كبيرة لنتانياهو بتسليم إسرائيل رفات الجندي الإسرائيلي الذي دفن في سوريا منذ 37 عاماً.

ثالث هذه الدلالات تكريس الفكر الخلاصي القومي والديني، الذي يرتكز على مقولات دينية أسطورية ونزعات شوفينية عنصرية ورؤى خلاصية وأخرى عرقية إثنية، وهي مقولات ورؤى تتبناها جماعات دينية متزمتة وجماعات قومية علمانية شرقية وغربية، تنخرط جميعها في كتلة اليمين الحزبية، وتمثل أطيافاً مجتمعية متعددة وواسعة، هاجسها ومحركها ودافعها الأكبر هو الهوية والأسطورة العرقية والدينية.

في مواجهة هذا التحول الذي لم يكن مفاجئاً وتراكم عبر عقود من الزمن، فإن القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بكل منظماته وقواه الحية، قد يمكنه استثمار النقد المتزايد الموجه من صفوف القيادات الديمقراطية واليهودية الأمريكية لنتانياهو، وفي مواجهة التعاطف والتأثير المتبادل بين اليمين الإسرائيلي وبين قيادات اليمين الشعبوي، يمكن مناشدة تأييد القوى المناهضة للعنصرية والفاشية في العالم، وتبني الدبلوماسية الشعبية وبناء تحالفات ذات طابع دولي مناهض للعنصرية وداعم للحق الفلسطيني بمساندة الدول العربية الفاعلة والدبلوماسية العربية وتشابكاتها مع مختلف دول العالم واعتماد استراتيجية جديدة لمواجهة التحديات الراهنة ترتكز على المقاومة بكل أشكالها وتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي عربي، حيث لا يمكن مواجهة التحديات الجديدة بالاستراتيجية التي لم تثبت فاعليتها.

* كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات