من المستفيد من المواجهة في السودان

الأنباء القادمة من الخرطوم تبعث على القلق من أن تتطور الأمور نحو مواجهة بين قوى الحرية والتغيير التي تقود الحراك الشعبي السوداني، وبين المجلس العسكري، الذي يتولى إدارة شؤون البلاد، حتى يتم الاتفاق على الأسس التي تقام عليها الفترة الانتقالية.

مبعث القلق هو التصعيد المفاجئ الذي عبرت عنه قيادة تجمع المهنيين يوم الأحد الماضي، بإعلانها تعليق المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي، ووضع شروط لمواصلتها، من بينها الاعتراف بأن الممثل الوحيد للحراك الشعبي هو تحالف قوى الحرية والتغيير بقيادة تجمع المهنيين، بما يتعين على المجلس العسكري تسليمها السلطة السيادية حتى تشكل على الفور مجلساً رئاسياً مشتركاً من مدنيين وعسكريين لقيادة الفترة الانتقالية.

وبناء على كل ما سبق، أعلن تجمع المهنيين، استمرار الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش حتى يستجيب الأخير لتلك المطالب، ورفض النداء الذي توجه به المجلس العسكري لرفع المتاريس والحواجز التي تغلق الشوارع والطرقات، وتعطل المصالح الحكومية.

وكادت أن تحدث مواجهات عنيفة بين القوى الأمنية التي باشرت رفع الحواجز وبين المعتصمين. وبدا لافتاً للنظر اعتراض التجمع المتسرع على المحاولات التي يقوم بها المجلس العسكري لرفع اسم السودان من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، لاسيما أن نجاح وفد المجلس إلى واشنطن في إتمام تلك المهمة سوف يهيئ الأوضاع لتدفق المساعدات الدولية للسودان.

وكان من دواعي الدهشة أيضا أن يرفع المعتصمون لافتات تكرر الأكاذيب التي يروجها إعلام جماعة الإخوان في الخرطوم والدوحة وأنقرة ولندن، تزعم دعم سلطة المجلس العسكري، وتحريضه على التنصل من المطالب المشروعة للشعب السوداني.

إغلاق باب التفاوض بين تجمع المهنيين السودانيين والمجلس العسكري، هو دخول في نفق مظلم، يفتقد لرؤية عقلانية تقود بثقافة الحوار إلى التوصل إلى الهدف المرجو، ببناء جسور للثقة بين الأطراف المتحاورة، وتشجع على التنازلات المشتركة، بدلاً من سياسة الإملاءات التي تدفع إلى تصلب المواقف. وكانت قوى الحرية والتغيير، هي التي اعترفت بدور الجيش الوطني في حماية المظاهرات والحراك الشعبي، ورفعت شعار الجيش والشعب أيد واحدة.

وليس من المتصور أن نظام حزب عقائدي ديني متغلغل بالقوة والعنف في مفاصل الدولة السودانية منذ حكم جعفر نميري، وامتد لأكثر من أربعين عاماً، سيجري اقتلاعه بين ليلة وضحاها. ومع ذلك فهناك إشارات إيجابية يمكن البناء عليها.

بينها أن رئيس المجلس العسكري الفريق أول «عبد الفتاح البرهان»-59عاما -لم تكن له علاقة بالحركة الإسلامية في السودان التابعة لجماعة الإخوان. فهو ينتمي للجهة التي يشكل ذراعها السياسي الحزب الاتحادي الديمقراطي.

وهو عسكري محترف، لا يمكن حسابه على نظام الإنقاذ لتعيينه قائدا للقوات البرية قبل فترة وجيزة من سقوط البشير. فضلاً عما ظهر في حواراته في وسائل الإعلام المختلفة، من تأكيدات بأن وضع المجلس العسكري هو وضع مرحلي حتى يتم التوافق على الحكومة المدنية التي تتولى السلطة في الفترة الانتقالية.

من بين تلك الإشارات كذلك، أن يوماً لا يمر دون أن تعزل قيادات فاسدة في الخدمة المدنية وحتى العسكرية من مواقعها وتتعقب سلطة المجلس العسكري أعضاء النظام السابق لمحاكمتهم بجرائم نهب المال العام وخرق القانون، وتصادر أموالهم، وتودع بعضهم في السجون، وتمنع ذويهم من السفر للخارج، وغير ذلك من اجراءات تستجيب في الواقع لعدد لا يستهان به من مطالب الحراك الشعبي.

وبشيء من العقلانية والحساب الدقيق لموازين القوى، سوف يدرك تجمع المهنيين أن الخطر الحقيقي على الهدف الذي يسعون إليه، ليس تباطؤ المجلس العسكري في تنفيذ مطالبهم المشروعة، بل هو حالة التربص والاستنفار القصوى التي تقوم بها قيادات الإخوان في حكم الإنقاذ، داخل حزب المؤتمر الوطني المنحل وحليفه حزب المؤتمر الشعبي، لتوسيع شقة الخلاف بين الطرفين تمهيداً للانقضاض على الاثنين معاً: أهداف حراك الحرية والتغيير، والمجلس العسكري الانتقالي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات