قيمتنا المعرفية

قيمتنا تكمن فيما نعرف. وما نعرف قد يكون معرفة أو معلومات. ومن يملك المعرفة وحبذا المعلومات يملك مقاليد أمور نفسه، وربما الآخرين في الألفية الثالثة.

مؤلفات عدة تتراوح عناوينها بين «السياسة، والمعرفة وتوازن القوى» و«سياسة المعلومات» و«سياسة المعرفة» و«المعرفة أم المال؟» و«قيمة المعرفة والمعلومات في توازنات القوى» وغيرها كثير تعود إلى عقود طويلة مضت.

العقود الماضية استغرقتنا واستهلكتنا في أمور فرعية. منها ما كان حروباً طاحنة، ومنها ما كان تناحرات جارفة، ومنها ما تحول إلى معتقدات كاذبة، ومنها ما أغرقنا في استعمارات واحتلالات مزرية، ومنها ما أدخلنا في دوائر مفرغة يجاهد بعضنا الآن لكسرها والخروج من جمودها.

الخروج من جمود العقود الماضية بدأ بداية قوية مع مطلع الألفية الثالثة، لكنه يحتاج إلى المزيد والمزيد.

وعلى الرغم من الاستمرار في إغراق المنطقة العربية في داعش والإخوان والصراعات الداخلية والتربصات الخارجية والحروب الثقافية والتناحرات الطائفية ومصائب الجهل والأمية وزواج الأطفال وقهر النساء وانتشار الفساد والإمعان في إلهاء الملايين بحروب الخيالات المريضة والتفسيرات العقيمة والأنماط الثابتة السقيمة، إلا أن أحداث السنوات الثماني الماضية أيقظت البعض من غفلته، وكشفت أقنعة عن آخرين ظننا إنهم منا ومعنا لكن إذ بهم لا منا ولا معنا بل علينا ومع أعدائنا.

وهذه كشوفات لو تعلمون عظيمة ومفيدة، وسر الفائدة يكمن في المعرفة.

المعرفة التي أبدعنا في الكتابة عن فوائدها، وأتقنا في الحديث عن مآثرها، وأحرزنا الدرجات النهائية وقت كتبنا عن مكانتها السامية في حياة الأمم المتقدمة في موضوعات التعبير في المدارس وأوراق البحث في الجامعات ليست فقط معرفة العلوم وفهمها، أو معرفة الآداب وتذوقها، أو معرفة الموسيقى وعزفها، أو حتى معرفة كل ما سبق وتخزينه. لكن المعرفة بمقاييس الألفية الثالثة ومتطلبات العصر الحالي والتالي، هي معرفة وامتلاك وإدراك قيمة وسبل استخدام البيانات والمعلومات والمعطيات والحقائق.

هذه المعرفة هي التي تقوم حالياً بقلب موازين القوى رأساً على عقب. وهي التي تعيد تعريف وتشكيل وتحديد العالم: دول وشعوب وقوى وعلاقات واقتصاد وترتيب في قوائم الأقوى والأضعف والأسعد والأذكى إلى آخر قوائم التفضيل.

في مطلع الألفية، هناك على الجانب الآخر من الكوكب، كان عرابو العصر الجديد يدرسون ويبحثون ويحللون ويسطرون كيف أن العالم استهل عهداً جديداً قوامه المعلومات وإطاره المعرفة وقلبه امتلاكها وعقله استخدامها.

كانوا يؤكدون أن المعلومات في العصر الجديد أصبحت أداة لا تستخدم فقط للحصول على لمحات استبصارية واستكشافية ومعرفية، ولكنها أداة للتأثير واتخاذ الإجراءات والسيطرة والهيمنة. وقتها، قال عرابو العصر الرقمي ورواد الفكر في الثورة الصناعية الرابعة أن ما يجري أمر جيد ومفيد. لكنهم لم يحددوا جيداً لمن؟ ومفيداً لمن؟

اليوم بتنا على يقين بأن هذه الأداة جيدة لمن يمتلكها ومفيدة لمن يعرف قواعد استخدامها المثلى. لكن مرة أخرى، لم يخبرنا العلماء إن كان كل جيد ومفيد يعني بالضرورة إنه جيد للإنسانية ومفيد للبشرية، لأن البوادر تشير ربما إلى عكس ذلك.

وحيث إن موعد انتقاء ما هو جيد ونبذ ما هو سيئ قد ولى ودبر، فعلينا أن ننتهج نهجاً موضوعياً ونفكر تفكيراً منطقياً. وسواء أكان امتلاك المعرفة واقتناء المعلومات أمراً محموداً كلياً أم تشوبه شوائب لا تعجبنا، حان موعد ضلوعنا في ميزان القوى العالمي الجديد.

وطالما العالم أضحى جميعه على ظهر باخرة المعلومات والمعرفة، فعلينا أن نسعى جاهدين لنكون ضمن الزمرة القائدة للباخرة أو المجاورة لها على أحسن تقدير، وليس ضمن جموع الركاب المضطرين للإذعان لوجهة السفينة المحددة من قبل من يقودونها.

ولم يعد في الإمكان الارتكان على تاريخ العرب وقت كانوا يقودون العالم، وينيرون الطريق باكتشافات وإنجازات، ويسيطرون على الأوضاع بفتوحات واستنارات. فقد ولى هذا الزمن منذ زمن. ولم تعد نوستالجيا التاريخ المشترك والإنجاز الحافل والعصر الذهبي الذي انتهى قبل مئات السنوات كافية لتبقينا على قيد حياة الكوكب.

في عام 2003، صدر تقرير التنمية البشرية لعام 2003 تحت عنوان «نحو بناء مجتمع المعرفة» حاوياً لروشتة الإنقاذ، وشارحاً للخلل المعرفي العربي الضخم، وداعياً إلى ثقافة معرفية عربية تناسب العصر، وخطوات نخطوها في مجال التعليم والعلوم والتكنولوجيا حتى ننجو بأنفسنا.

اليوم وبعد 16 عاماً، نقول إن المنطقة العربية مرت بالكثير وعانت الكثير، لكنها ـ أو بالأحرى بعضها - أنجز الكثير على طريق المعرفة والمعلومات. صحيح أن رياح الربيع أتت على الكثير من القليل الذي تم إحرازه.

وصحيح أيضاً أن ما يحاك للمنطقة ألقى بظلال وخيمة على شعوبها ودفع الكثير منها إلى قاع ترتيب الإنجازات. وصحيح أيضاً أن ما يصر البعض منا على الغرق فيه من تناحرات طائفية وتحقيق مصالح شخصية ومقايضة مصائر أمة بأطماع وقتية وغيرها ألحق بالجميع الكثير من الضرر.

لكن مازال هناك عقلاء بيننا، ومصادر عدة للضوء الكامن في نهاية النفق تلوح في الأفق، حيث لحاق سريع بالعصر الرقمي، وقفزات هائلة نحو الثورة المعلوماتية، وعلاقات عدة وخطوات صائبة مع أصحاب الفكر المعرفي والخبرات المعلوماتية لتوطينها وإتقان قواعدها وامتلاك مفاتيحها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات