المشاركة بين الضرورة والرفاهية

بدأ المصريون في التصويت على التعديلات الدستورية التي وافق عليها البرلمان بعد العديد من الخطوات والإجراءات القانونية اللازمة لذلك، طبقاً لما حدده الدستور بشأن كيفية إجراء التعديلات عليه، وقد عقد مجلس النواب العديد من جلسات الاستماع بشأن المواد المطلوب تعديلها أو إضافتها، واستمع إلى كل الآراء، مؤيدة أو معارضة، بحيادية تامة، ولأنني شاركت في جلسات الاستماع، فقد شاهدت مساحة الاتفاق والاختلاف التي أبداها المشاركون في هذه الجلسات حول المواد المطروحة للتعديل سواء بالموافقة أو المعارضة، ولم يتدخل رئيس المجلس بل أعطى الفرصة كاملة لكل المشاركين في إبداء آرائهم بحرية كاملة، وحينما جاء الدور على المجلس في المناقشة شارك كل الأعضاء في المناقشات بمساحة الحرية نفسها التي كانت موجودة في جلسات الاستماع وخرجت التعديلات بعد موافقة الأغلبية عليها، حيث صوت 531 نائباً لمصلحة التعديلات، بينما رفضها 22 نائباً، وامتنع نائب واحد عن التصويت.

الآن التعديلات بين أيدي الشعب المصري في الداخل والخارج، ليقول كلمته فيها بكل حرية، والمهم أن يشارك الجميع بكل حماس ويذهب إلى لجان التصويت لإبداء رأيه، بعيداً عن السلبية وعدم الاهتمام.

المشاركة في التصويت على التعديلات الدستورية ضرورة وليست رفاهية، فالشعوب لا تصنع مستقبلها بالسلبية، وإنما تصنعه بالمشاركة الإيجابية، في إطار من الالتزام بالتقاليد الديمقراطية، والإيمان بحق الآخر، فيجب ألا يصادر من يؤيد التعديلات رأي المعارضين، وفى الوقت نفسه يجب ألا ينصب المعارضون أنفسهم أوصياء على الشعب، فالشعب هو صاحب الكلمة العليا، ولابد من احترام إرادته.

نجحت مصر في الإفلات من دوامة الفوضى والعنف التي كادت تعصف بها، بعد أن كانت مؤسسات الدولة كلها مهددة بالانهيار، وكادت الأمور تتحول إلى اقتتال أهلي في الشوارع، وفى خضم الفوضى والانفلات ترعرع الإرهاب وازدهر، وخرج من حالة الكمون إلى حالة النشاط في سيناء وغيرها من المناطق، إلا أن سرعة «إفاقة» الشعب المصري في 30 يونيو، وثورته على تلك الأوضاع الصعبة والمعقدة، واصطفافه مع الجيش وشرطته كان له أكبر الأثر في بدء «تعافي» الدولة المصرية، كان الشعب هو حائط الصد القوي المساند لكل خطوات الإصلاح السياسي، وعلى الجانب الآخر انطلقت مسيرة الإصلاح الاقتصادي اللازمة والضرورية لإنقاذ الدولة من «شفا الإفلاس والانهيار».

الإصلاح الاقتصادي هو «الدواء المر»، لكنه العلاج الذي لا بديل له لإنقاذ مصر ومستقبلها، وبفضل الله أولاً، ووعي الشعب المصري ومساندته قيادته، نجحت خطة مصر في الإصلاح الاقتصادي، ومرت أصعب مراحل الإصلاح، وبدأ الاقتصاد المصري يتعافى بسرعة، ويسترد ثقة المؤسسات الدولية، ويتقدم تصنيفه الائتماني، ويصبح مستقبله «مستقراً» و«متفائلاً»، وانعكس ذلك على قوة الجنيه المصري الذي بدأ يستعيد بعض ما فقده أمام الدولار، ويعزى هذا التراجع المستمر للدولار إلى زيادة تدفقات النقد الأجنبي بالبنوك خلال الفترة الأخيرة، وتحسن تصنيف مصر الائتماني من جانب مؤسسة «موديز» العالمية.

وكان من نتيجة نجاح خطة الإصلاح الاقتصادي إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي حزمة الإجراءات الاقتصادية الخاصة برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة المعاشات اعتباراً من بداية العام المالي الجديد في يوليو المقبل، ليكون ذلك بداية شعور المواطن بثمار الإصلاح الاقتصادي الذي يحتاج إلى بعض الوقت والكثير من الجهد، لاستكمال خطواته حتى تتوافر كل الشروط اللازمة للانطلاقة الاقتصادية الكبرى، وخلق المزيد من فرص العمل بما يؤدي إلى تخفيض مستويات البطالة، وتحول الاقتصاد المصري من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي المتكامل.

هذه التطورات السياسية والاقتصادية الهائلة واكبتها رؤية لإجراء تعديل دستوري على دستور 2014 الحالي، لضمان استمرار وتيرة الإصلاح الاقتصادي والسياسي، والحفاظ على ما تحقق خلال الفترة السابقة، وانتهت تلك الرؤية إلى طرح بعض التعديلات بهدف زيادة مشاركة المرأة والشباب في مقاعد البرلمان، وعودة الغرفة الثانية للبرلمان تحت مسمى «مجلس الشيوخ»، وغيرها من التعديلات التي أقرها البرلمان، والتي هي معروضة الآن بين أيدي الشعب المصري ليقول رأيه فيها بصراحة ووضوح في رسالة واضحة وقوية للعالم كله تؤكد استمرار مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي، حتى نصل إلى تحقيق حلم إقامة الدولة الديمقراطية العصرية الحديثة.

والمهم في كل الأحوال وعي الشعب، ومشاركته الإيجابية، والبعد عن السلبية، ودعوات المقاطعة الهزلية، فالشعوب لا تبنى بالمقاطعة، وإنما تتقدم وتنمو وتستقر بالمشاركة والاحترام الكامل لرأي الشعب وإرادته بعد إعلان النتيجة.

كل المؤشرات، التي جاءت من خارج مصر خلال اليومين الماضيين ومن داخل مصر أمس، تشير إلى الإقبال الكبير من المواطنين على التصويت، وهو الأمر الذي ينبغي أن ينعكس أكثر وأكثر اليوم وغداً في مشاركة كل المواطنين بكل اتجاهاتهم على صناديق الاستفتاء، لإعلان رأيهم بوضوح وبكل حرية في تلك التعديلات، فالمشاركة الآن ليست رفاهية، وإنما هي ضرورة ملحة تقتضيها الظروف الحالية التي تمر بها مصر والمنطقة العربية كلها، لاستكمال مسيرة «التعافي» و«الإصلاح» في مختلف المجالات، لتصبح مصر هي قاطرة الإنقاذ للمنطقة كلها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات