السودان بين الحراك الشعبي والجيش

يبدو من المبكر التنبؤ بما سيؤول إليه الحراك الشعبي في السودان، ومدى قدرته على إخراج البلاد من الدائرة الشريرة التي تدور فيها منذ ستة عقود، وتتمثل في ثورة شعبية ثم حكم مدني قصير الأجل، تنهشه الصراعات على السلطة.

ولا بديل عن العنف والفوضى سوى أن تحسم المؤسسة العسكرية أمرها، فتلبي مطالب الشعب السوداني، بمحاكمة أقطاب النظام السابق عن جرائم فساد مالي وإداري وتبديد الموارد، ونهب ثروات البلاد وتشريد مواطنيها والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم باطلة وتعذيب المعارضين السياسيين والعسكريين والقيادات النقابية والمهنية والطلاب فيما كان يعرف ببيوت الأشباح، وتفكيك أجهزة الأمن الوطني وحل حزب المؤتمر الوطني، واتخاذ إجراءات حاسمة لتطهير مؤسسات الدولة والحكم من نظام البشير وأعوانه من أعضاء وحلفاء الجبهة الإسلامية القومية، الفرع السوداني من جماعة الإخوان.

كان البشير يحلم بأنه زَرع الإخوان في أرض السودان ليبقوا للأبد، لكنه بقي ثلاثين عاماً، بسياسة التمكين التي اتبعها نظامه، بزرع الفاشلين من الحركة الإسلامية في مؤسسات الدولة والحكم وانتهت بالزج بالسودان في حروب أهلية وطائفية ودينية لا تزال مشتعلة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

فضلاً عن أن نظام الإنقاذ قد ساهم بشعاراته الدينية المتعصبة، إلى أن يصوت الجنوبيون بنسبة 99% على الانفصال، وإقامة دولة مستقلة، لتحرم البلاد من فرصة نادرة لاستخدام موارد النفط التي ترقد 95% من حقولها في الجنوب، من تنمية شمال السودان وجنوبه تنمية مستدامة، ولتتحول من دولة كانت موعودة بأن تغدو سلة خبز العالم، إلى بؤرة للإرهابيين، وليرزح غالبية سكانها البالغ عددهم نحو أربعين مليون نسمة في الفقر والبطالة والتهميش.

وحتى لو تم التوصل إلى ذلك، فليس من شأنه وحده أن يخرج السودان بسلام من اللحظة الفارقة التي يمر بها الآن.

فدور تجمع المهنيين الذي يقود حراك الحرية والتغيير منذ أربعة أشهر، ويدخل اعتصامه أسبوعه الثاني أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة والقصر الرئاسي، يظل حاكماً في ضبط إيقاع المطالب وتقديم رؤية واضحة المعالم، تستفيد من تجارب التاريخ القريب، التي أثبتت فشل الأحزاب الطائفية، التي هيمنت على الحياة السياسية في إدارة أنظمة الحكم الديمقراطية، وعجزها عن انتهاج سياسات دون محاصصات طائفية، تقود إلى الاستقرار والتنمية والتداول السلمي للسلطة وتحافظ على التنوع العرقي والثقافي والقبلي والديني الذي يحفل به السودان، وهو ما كان يفسح كل الطرق ليحسم الجيش الصراع بانقلاب عسكري يستولي على السلطة وهو ما جرى في انقلابات الأعوام 1958 و1969 و1989.

مهمة ممثلي الحراك الشعبي الآن هي التوصل إلى مشتركات مع المؤسسة العسكرية، فذلك هو الضمانة الرئيسية لتلبية مطالب الشعب السوداني، وطمأنته بأن تضحياته منذ استقلال السودان عام 1956 من أجل بناء الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية الحديثة القائمة على إدارة بيروقراطية مدربة ومؤهلة وكفؤة، وقاعدة اقتصادية قوية، ومؤسسات أمنية وعسكرية قومية محترفة وحيادية، لن تذهب سدى.

وعلى الجميع إدراك أن وقود الحراك الشعبي الراهن هم الشباب الذي تربى في سياق ثورة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي، وأنهم يشكلون نحو 60% من عدد السكان، وأن كثيرين منهم لا ارتباطات حزبية لهم، لكنهم يدركون ببساطة أن تأهيل السودان لدولة وطنية حديثة لا يتم بدون شعاراتهم الداعية إلى الحرية والكرامة والسلام، وأن دور القوى الدينية ينحصر في الدعوة لا الحكم، بعدما أدى الخلط بين الدين والسياسة إلى خراب السودان.

المهمة ليست سهلة، لكنها غير مستحيلة. فقد ساهم ضباط وطنيون من القوات المسلحة في محاولتين لإسقاط نظام الإخوان في الشهور الأولى لاستيلاء البشير وزمرته على الحكم، انتهت إحداهما بمجزرة أعدم فيها البشير 28 ضابطاً من خيرة أبناء القوات المسلحة.

كما شاركت قيادات من الجيش السوداني في المنفى في رئاسة التجمع الوطني الديمقراطي، الذي قاد المعارضة من أجل استعادة الديمقراطية من حكم دموي فاشل للجبهة الإسلامية القومية الخارجة من صلب جماعة الإخوان.

وريثما يتم التوصل لتلك المشتركات التي تتأكد باستجابة المجلس العسكري لمطلب تجمع المهنيين بتشكيل حكومة مدنية تقود في حماية الجيش فترة انتقالية مدتها أربع سنوات، تجنباً لتاريخ من الفشل نتج من قصر الفترات الانتقالية في الانتفاضات السابقة، حتى يتمكن من العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحريرها من النفوذ الأيديولوجي لحكم الإنقاذ، فإن على الأحزاب التقليدية أن تشرع في إعادة البناء على أسس عصرية خالية من النفوذ الطائفي، وأن تسعى الأحزاب الجديدة التي تشكلت في خضم الحراك لتثبيت قواعدها على أسس راسخة، وتستعد القوى السياسية التي تحمل السلاح في مختلف الأقاليم للانخراط في العمل السياسي، وتسليم سلاحها للدولة التي غدوا يشاركون في بنائها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات