الإرهاب في عقيدة اليمين المتطرف الأوروبي

الجريمة الإرهابية النكراء التي ارتكبها الأسترالي السيئ الذكر، في مسجدي مدينة «كريستشيرش» في نيوزيلندا، ليست على ما يبدو جريمة فردية، وذلك لا يعني بالضرورة اتهام شعب أو جماعة بكاملها بالمشاركة في ارتكابها، بل يعنى أن المناخ الذي أفضى إلى وقوعها يمثل حالة غربية عنصرية، ونسقاً فكرياً وسياسياً يمينياً متطرفاً وعنصرياً، يكتسب المزيد من الأنصار والمريدين والممثلين في العديد من الدول الأوروبية ومؤسساتها السياسية، وكذلك العديد من الحركات الاجتماعية والسياسية في الكثير من بلدان أوروبا، كألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها.

لم تكن هذه الجريمة الإرهابية وليدة اللحظة أو العفوية أو المصادفة، كما أنها لم تترتب على حادث معيّن جمع بين صاحبها وبين الضحايا الأبرياء، بل كانت مخططة ومعدة سلفاً، بل استغرق الإعداد لها عملياً عامين كاملين، كما أنه من ناحية أخرى أعد صاحبها بياناً عنصرياً بلغ عدد صفحاته 73 صفحة في صورة سؤال وجواب تحت عنوان «البديل الأعظم» لتبرير جريمته.

انطوى الإعداد لهذه الجريمة طوال هذين العامين على عمليات محددة: الحصول على رخصة شراء الأسلحة المستخدمة، وانتقاء مسرح الجريمة، وإعداد تقنية البث المباشر للصور، ونشر البيان الذي أعده القاتل، وإرساله إلى العديد من المسؤولين قبل دقائق من تنفيذه العملية المقززة.

انتقاء مسرح الجريمة في مسجدين بمدينة «كريستشيرش» في نيوزيلندا لم يكن عشوائياً، بل مقصوداً بعناية، أي أن الرسالة التي حملتها هذه الجريمة تقول إنه ليس ثمة مكان آمن أو هادئ يمكنه النجاة من «البديل العظيم»، أي إحلال «الشعب الأوروبي» الأبيض بالمهاجرين المسلمين والملونين وغيرهم، وأن عملية «الإحلال» الديموغرافية مستمرة ومتقدمة حتى في تلك البقعة النائية التي تحيط بها مياه المحيط من كل جانب، وبالمثل فإن هذه الرسالة تنطوي على تحذير المهاجرين والذين يزمعون الهجرة من بلدانهم، من أنهم ليسوا في مأمن من العقاب العنصري الأبيض، مهما كان موقع المكان الذي يختارونه للهجرة.

على الصعيد العملي الذي سبق تنفيذ هذه الجريمة، بدا وكأن هذا الإرهابي يقوم بعمل بحثي؛ لاستطلاع عمق ظاهرة «البديل الأعظم»، والتأكد من صدق ما تناهى إلى أسماعه عن استفحال ظاهرة الهجرة وامتدادها إلى الدول الأوروبية، وجمع الأدلة والملاحظات العيانية المباشرة من الواقع، إذ سافر المجرم إلى العديد من بلدان أوروبا الشرقية كالمجر ورومانيا وبلغاريا، وكذلك سافر إلى فرنسا، وتنقل بين العديد من المدن الفرنسية بسيارة استأجرها لهذا الغرض، ولاحظ وجود المهاجرين في معظم المدن والقرى الفرنسية، وخلص من ملاحظاته إلى أن فرنسا «بلد محتل» من قِبل هؤلاء المهاجرين.

الأحداث، التي أدّت دوراً مهماً في تشكيل خياله الإرهابي ومخيلته المريضة، يعددها المجرم باثنين، أولهما مقتل فتاة سويدية صغيرة في الحادية عشرة من عمرها في هجوم بشاحنة في مدينة ستوكهولم في أبريل عام 2017، أما الثاني فيتمثل في هزيمة مارين لوبن في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية وصعود إيمانويل ماكرون في عام 2017.

على ضوء هذين الحدثين، قرر الاستعداد للجريمة والعنف ضد المهاجرين المسلمين، باعتبار ذلك الطريق الوحيد للحفاظ على «العرق الأبيض»، والحؤول دون الاختلاط العرقي، وأن الحل السياسي لهذه المشكلة سقط بسقوط مارين لوبن في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وصعود ماكرون، ووقر في قناعته أن لوبن غير قادرة على الحفاظ على العرق الأبيض وإنقاذ بلدها من «الغزاة» المسلمين، وأن الطريق الذي اختاره هو أن العنف والقتل ضد المهاجرين المحتلين الغزاة هما الطريق الوحيد لنجاة «العرق الأبيض»، كما يرى أن ماكرون «عولمي رأسمالي، ورجل بنوك يبحث عن الفائدة، ولا يحمل أي روح وطنية تجاه بلده».

عنوان البيان العنصري للإرهابي يسترشد بالمفهوم الذي قدمه المنظر العنصري الفرنسي رينوكامو، أي «البديل الأعظم» الذي يذهب بعض مؤرخي اليمين المتطرف الأوروبي إلى أنه ظهر في أعوام 1946 - 1948، على يد رينية بيني، أحد ضباط جهاز الأمن والمراقبة والرعب، المعروف اختصاراً باسم «إس إس» خلال الحرب العالمية الثانية، وهو مفهوم عنصري مسعور تمحور حول خطر اليهود على الشعوب الأوروبية، وأنهم يريدون تدمير أوروبا عن طريق الهجرة، وبعد أحداث سبتمبر 2001 تم إحياء هذا المفهوم وتوجيه محتواه نحو المسلمين.

يمثل مفهوم الهوية في البيان العنصري للقاتل مفهوماً بيولوجياً ثقافياً يتمركز حول العرق الأبيض وثقافته المعرضة للتآكل والزوال مع ارتفاع معدلات الهجرة وارتفاع معدلات الخصوبة لدى المهاجرين المسلمين عن مثيلتها الأوروبية، ولا يكترث بشأن الإمبراطورية التي يسيطر العرق الأبيض عليها، ويرى ضرورة تكوين جيب أبيض من فئات الواسب «البيض الإنجلو ساكسون البروتستانتيين»

يخص القاتل الأمريكي دافيد لان الذي ينتمي إلى النازية الجديدة بعدة إشارات مقتبسة من بيانه المعنون «إبادة البيض»، خاصة كلماته: «يجب أن نؤكد وجود عرقيتنا ومستقبل أطفالنا البيض»، ويشير إلى أوزوالد موسلي، أحد الرموز الفاشية البريطانية، بصفته شخصية تاريخية قريبة من معتقداته.

وعلى الرغم من أن خطاب اليمين المتطرف العنصري الأوروبي يحاول الابتعاد عن «النازية» بسبب سوء سمعتها وقبحها، فإنه يستعين بالعديد من العناصر النازية، مثل الشمس السوداء والمكون الإيكولوجي الذي يعنى طهارة الشعب الألماني، ويتجنبون معاداة السامية، باعتبارها البعد المحوري والمركزي في العقيدة النازية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات