سموم العائدين

هل انتهى خطر «داعش» فعلاً؟ هل تبخر التنظيم في هواء سوريا والعراق؟ هل انقشعت أخطاره في ليبيا وتونس؟ هل فروعه المنشطرة في دول في الشرق والغرب، أذعنت لما يتردد عن انتهاء التنظيم وهزيمته؟ هل لم يعد قادراً على التجنيد والتخطيط والتفعيل؟ هل بات العالم فعلياً في مأمن من سموم التنظيم الذي أسقط آلاف القتلى، ونشر الرعب والفوضى على الكوكب، واجتذب المقاتلين والمقاتلات، وأسس عائلات أنجبت عيالاً، ونثرت أفكاراً من شأنها أن تخرب أجيالاً؟.

مئات الجماعات ذات الأفكار المريضة والرؤى المعطوبة، تنشأ على سطح الكوكب. بعضها يفشل في البقاء ويتبخر في الهواء، وكما ظهر بين يوم وليلة، ينقضي أمره، ولا يتذكره أحد. والبعض الآخر يستمر، وإن تقلص حجمه أو تقزم أثره، حيث يخفت تحت ضغوط ومواجهات، لكنه يتحين الفرصة، ويقتنص اللحظة الفارقة ليعاود الظهور.

ويخبرنا التاريخ القديم والحديث، الكثير عن مثل هذه المعاودات. وفي ظهور جماعة الإخوان المسلمين ذات الأفكار الخربة، وسبل السيطرة على الأدمغة الملتوية في مصر، بعد أحداث كانون ثاني (يناير) 2011، عبرة وعظة.

العظة التي ينبغي على كل من مر بسنوات سوداء، قوامها الرعب والخوف والقلق من مشاهد الذبح المصحوبة بالتكبير، وأخبار التهجير والتدمير من أجل نصرة الدين، وبيانات الإعلان بمزيد من الفخر عن المسؤولية عن تفجير أوقع قتلى هنا، أو تفخيخ أودى بحياة أطفال هناك، هي أن الأفكار لا تموت إلا ببزوغ أفكار أقوى منها في القوة والإقناع.

وإذا كانت نقطة الانطلاق ووقود الاستمرار على مدى السنوات القليلة الماضية لداعش، قد ارتكزا على تمويل هائل، وتدريب جبار لعناصر تلقت منافع ومصالح كبرى، فإن نجاح التنظيم في جذب آلاف «المقاتلين» و«المقاتلات»، وتكوين أسر داعشية، أنجب الكثير منها عيالاً في كنف الفكر الداعشي، ارتكز على نثر الفكرة المسمومة.

الفكرة المسمومة لا تنتهي بإعلان ما يسمى بـ «قوات سوريا الديمقراطية» ـ المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية- عن استعادة بلدة الباغوز، والتي هي الجيب الأخير الذي كان يسيطر عليه «داعش» في شرقي سوريا.

الفكرة المسمومة لا تزول بإعلان فصيل محارب بأن استعادة بلدة يمثل النهاية الرسمية لداعش. «داعش» الذي تمكن من بسط نفوذه على ما لا يقل عن ثمانية ملايين شخص في منطقة مساحتها 88 ألف كيلومتر مربع، ناهيك عن مدن وقرى هنا وهناك في منطقتنا العربية، بالإضافة إلى مندوبين وسفراء له في دول أوروبية وآسيوية، وما خفي كان أعظم، لا ينتهي هكذا. «داعش» الذي تأسس، ونما، وتوسع، وجند الآلاف عبر برامج محكمة، وأصدر مواد إعلامية وبيانات صحافية، بل وأنتج أناشيد «ترفيهية»، من «صليل الصوارم» وغيرها، لا ينتهي هكذا.

هذا التنظيم يدين بنجاح إطلاقه وانطلاقه في فضاء العالم العربي، لمليارات من التمويل «مجهول المصدر»، الذي أتاح التدريب والتجنيد والتجييش. وهذا التنظيم الذي ضمن لنفسه سبل إعاشة واستمرار تسليح، عبر جني المليارات من عوائد نفطية، وخطف وسرقات وتهريب آثار، لا ينتهي ببث صور تهجير آلاف العائلات الداعشية.

وإذا سلمنا بأن بذور البداية من «المقاتلين» هي أشبه بالمرتزقة، الذين يحاربون ويَقتُلون ويُقتَلون من أجل المال، فإن هناك الآلاف ممن تم تجنيدهم عبر بيع فكرة «الخلافة»، والتسويق لمفاهيم إقامة الشريعة والتقرب إلى الله وإعلان الإسلام.

وهناك المئات من الأطفال الذين ولدوا في كنف هذه الأجواء المعيشية والفكرية. فهل تم إعلان الانتصار على هؤلاء بترحيلهم في شاحنات؟ وما وجهة هذه الشاحنات؟ وما مصير ركابها من النساء والأطفال و«المقاتلين» الداعشيين؟ وما المحطة التالية التي ستستضيفهم؟ وهل هم قابلون لتطهير الفكر، وإزالة السموم التي انتشرت في أجسادهم؟ (هذا إذا افترضنا وجود جهود وتوافر إمكانات من الأصل للتطهير).

وإذا كانت داعش نشأت في غفلة منا، أو ربما وسط انشغال المنطقة العربية برياح ربيعية، بدت حرية وديمقراطية، لكن انقلبت وبالاً وخراباً (وما زالت)، فإن غض الطرف عن كيفية التعامل مع «عائلات» التنظيم، سيعيد فتح أبواب الجحيم أمام الجميع. دول غربية عدة تتباحث وتتشاور، وتخطط وتدبر لكيفية التعامل مع مواطنيها، الذين أوشكوا على العودة. المئات - وربما الآلاف- من الجنسيات المتعددة الآخذة في النزوح من هذه المنطقة المحررة وتلك، إلى أين تذهب؟.

نستمتع كثيراً بقراءة قصص «داعشية بريطانية تحكي عن فساد داعش»، أو «مراهقة داعشية فرنسية تبحث عن زوجها الداعشي في سوريا»، أو «داعشية بريطانية تقول إنها غير نادمة على الانضمام للتنظيم». ونتابع بكل اهتمام، فيديوهات لطفل داعشي ولد في كنف التنظيم، ورضع عنفاً وتنفس ذبحاً وكبر في أحضان سموم فكرية، لا يعلم إلا الله آثارها عليه ومن ثم علينا.

علينا إذن أن نحذو حذو دول أوروبية في التخطيط لكيفية التعامل مع خريجي التنظيم المسموم. فالخمسة آلاف مقاتل أجنبي - بحسب تقديرات عدة- في صفوف «داعش»، يقابلهم أضعاف هذا الرقم من مواطني الدول العربية. لكن الأعتى من العدد، وكيفية استقبال العائدين والعائدات، هو كيفية استقبال الأفكار المتمكنة منهم، لا سيما أن بيئات عدة لدينا وأفكار كثيرة بيننا، قابلة للتعاطف والتأثر، بما سيحمله العائدون من سموم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات