معركة العودة إلى أفريقيا

استقبلت مؤخراً قرار تعييني رئيساً لقسم العلوم السياسية والدراسات الأفريقية في جامعة مينيسوتا الأمريكية «الفرع الأفريقي» بكثير من القلق ووجدت نفسي أمام مهمة مزدوجة لست مُستعدة لها بعد، ولا أملك أمامها الخبرة الكافية التي تؤهلني لشغل هكذا منصب، ووقفت عاجزة أمام هذا القرار غير القابل للنقاش ناهيك عن الاعتراض عما جاء فيه، ولم تخف حدة ذاك القلق إلا بعد رسالة وجدتها على هاتفي المحمول تقول لي «إن الله يعطي أصعب المعارك لأقوى جنوده فأبدعي في معركتك».

بعد إعلان الاتحاد الأفريقي ترؤس القاهرة للاتحاد الأفريقي في يناير 2019 تداولت المنصات الإعلامية الأفريقية ذاك الخبر بشىء من الاهتمام المُتسائل عن ما ستقوم به القاهرة خلال فترة رئاستها للاتحاد الأفريقي، وبكثير من التحليل السياسي والتوقع المستقبلي، وسخرت الصحافة الأفريقية أقلام نخبتها للحديث حول كلمة مصر في الاتحاد الأفريقي التي أصبحت الحديث الأهم في أروقة الجامعات الأفريقية والمنتديات السياسية وحتى الأحاديث الجانبية بين زملاء المهنة، ووجدت نفسي حينها أمام سيل من الأسئلة أمطرني بها زمرة من صحافيي ورجال الإعلام الأفريقي حول دور القاهرة الحالي والمستقبلي في أفريقيا وكيف أنظر إليه.

لعبت القاهرة في ستينيات القرن الماضي دوراً مهماً في عموم القارة الأفريقية بدءاً من دعم الحركات الوطنية المُطالبة بالاستقلال كدعم القاهرة للزعيم الوطني الراحل باتريس لومومبا في الكونغو كينشاسا، إلى دعم الأنظمة الأفريقية التي كادت أن تتعرض وحدة أراضيها للتقسيم وتمثل ذلك في دعم القاهرة للنظام الحاكم في نيجيريا ضد استقلال إقليم بيافرا المدعوم إسرائيلياً، ولا يمكن تجاهل دور القاهرة بعد ذلك في دعم التنمية الصناعية في عدد من العواصم الأفريقية.

إلا أن دور القاهرة تضاءل بعد ذلك، ويرجع السبب في اعتقادي إلى الرؤية السياسية المصرية لأفريقيا التي اختلفت من حقبة زمنية إلى حقبة زمنية أخرى والتي عززتها معاهدة كامب ديفيد عام 1978 والتي اعتبرتها الكثير من العواصم الأفريقية ناهيك عن العربية انحساراً وأفولاً للدور المصري في القارة الأفريقية، ولكن سرعان ما عادت العلاقات المصرية الأفريقية إلى إيجابيتها، ولكن بشكل مختلف، فالقاهرة أصبحت أكثر تحديداً للتوجهات والمصالح والأهداف، ومن الطبيعي أن تُبدي القاهرة اهتماماً خاصاً بمنطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، مُختلفاً في توجهاته وأهدافه عن منطقة الغرب والجنوب الأفريقي.

والأسباب في ذلك معروفة: أولاً: الأمن المائي المصري ( مياه النيل ) المُرتبط بدول المنبع الواقعة في الشرق الأفريقي، ثانياً: ارتباط دول الشرق الأفريقي حتى تلك الدول الواقعة خارج دول المنبع بأهمية استراتيجية للقاهرة مثل جمهورية القمر المتحدة، ثالثاً: رغبة القاهرة في استعادة دورها القديم في القارة الأفريقية ولكن بأدوات مُختلفة تتوافق أولاً مع الواقع الأفريقي المختلف عما كان عليه في القرن العشرين، ومُدركاً للتوازنات الإقليمية والدولية التي باتت تحكم القارة الأفريقية، ومُنفذاً لمهمة متعددة الأبعاد والإستراتيجيات والأهداف.

تختلف النظرة الأفريقية للقاهرة في الشرق والوسط الأفريقي عن النظرة الأفريقية في الجنوب والغرب الأفريقي، فنجد بأن دول الشرق الأفريقي خاصة تلك الدول التي تشترك مع القاهرة في مياه نهر النيل ترى بأن الأمن القومي المصري مرتبط باستقرارها سياسياً والذي ترجمته القاهرة بحرصها على تعزيز التعاون المرتكز على التنسيق الأمني والاستخباراتي بصورة تتفوق على الملفات الأخرى التي جاءت كنتيجة وليس لاختيار.

أما في الجنوب والغرب الأفريقي وبالرغم من الدور المصري القديم والذي تمثل في نجاح القاهرة بإرسال أول قوة عربية تقوم بمهمات خارجية تحت قيادة الأمم المتحدة إلى الكونغو كينشاسا بقيادة الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي ذلك الدور الذي ما زالت حتى المناهج الدراسية في تلك الدول تتحدث عنه بشيء من الامتنان إلا أن تلك الدول ما زالت تنتظر دوراً مصرياً مُختلفاً يتجاوز إرسال مجموعة من دعاة الأزهر الشريف لتعليم تلك الشعوب أصول الدين، ولا يكتفي بتحقيق أهدافه عبر البروتوكولات الدبلوماسية، دوراً ينقل القاهرة من غياب طال أمده إلى دور تجد القاهرة فيه نفسها قادرة على تشكيل واقع يعطيها الحق في حماية مستقبلها.

تخوض القاهرة اليوم معركة عودة لأفريقيا تطمح أن تحقق من خلالها نتائج تتجاوز مكاسبها القديمة التي حققتها في القرن العشرين وتليق بتحديات القرن الحادي والعشرين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات