ورقة من ملف العلاقات المصرية الأمريكية

لعلها لم تكن مصادفة أن يحل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ضيفاً على القاهرة، على أعتاب الزيارة التي بدأها أمس الثلاثاء الرئيس السيسي إلى واشنطن، تلبية لدعوة من نظيره الأمريكي دونالد ترامب، للقاء القمة هو الثاني من نوعه الذي يجمعهما، منذ تولي كل منهما موقعه الرئاسي.

فوجهات النظر بين القاهرة وموسكو تتقارب بشأن الأزمة السورية، إذ يدعو الطرفان إلى بسط الدولة السورية سيادتها على كافة أراضيها، ورفض هيمنة أية دولة على جزء من الجغرافيا السورية والاعتراض على قرار ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

وربما تأمل موسكو أن تلعب القاهرة، عبر العلاقات المميزة بين الرئيسين المصري والأمريكي، دوراً في حث الأخير على وقف المحاولات الأمريكية لإقامة ما أسماه لافروف «شبه دولة» في شرق الفرات، بعد قرار ترامب سحب بعض قواته من سوريا، وإبداء الدعم المصري لاستمرار الاتصالات بين الجانبين الروسي والأمريكي، للتوصل لتسوية شاملة للأزمة السورية، تقنع المعارضة والحكومة السورية للسير نحو العمل معاً بهدف حل سياسي يقوم على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويوقف المعوقات الأوروبية والأمريكية أمام عودة اللاجئين السوريين إلى مدنهم بعد سيطرة الدولة السورية عليها.

ولعلها كذلك لم تكن مصادفة أن تأتي زيارة الوزير الروسي، في نفس الوقت الذي يتوجه فيه الجيش الوطني الليبي نحو العاصمة طرابلس للدخول في مواجهة مع الميليشيا الإرهابية المسلحة المدعومة ماليًا وعسكرياً من أطراف عربية وإقليمية، وباتت تتمركز في مناطق متفرقة من العاصمة، وتشكل خطراً لا يحول فقط دون التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، تقوده الأمم المتحدة، بواسطة مبعوثها «غسان سلامة». بل تهدد كذلك دول الجوار الليبي.

وكان من اللافت للنظر البيانات ذات النبرة الهادئة واللينة غير المعهودة من الطرفين الأوروبي والأمريكي الداعية لوقف القتال في طرابلس واللجوء إلى التفاوض، في نفس الوقت الذي كانت تبث فيه وكالات أنباء غربية تقارير لم يكذبها أحد، تؤكد أن تحرك الجيش الليبي قد تم بضوء أخضر من واشنطن وعدد من العواصم الغربية، بعد أن توصل هؤلاء إلى قناعة أن استمرار فوضى الميليشيا السائدة في ليبيا الآن، يهدد الأمن الأوروبي، وأن وقف تلك التهديدات، ما عاد ممكناً التوصل إليه بدون اجراءات مشددة، لتطويق سيطرة الميليشيا الإرهابية المنتمية للتنظيم الدولي للإخوان، على المشهد السياسي الليبي.

ومن المساخر أن تتشدق تلك الميليشيا الآن برفض ما تسميه هيمنة العسكر على السلطة، وتطالب بالديمقراطية، التي طالما استخدمتها للصعود إلى السلطة، ثم حرمان الآخرين منها!

المعروف أن موسكو تدعم الجهود المصرية وبعض الدول عربية، الساعية في الملف الليبي إلى محاربة الإرهاب والميليشيا المسلحة، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

يحمل الرئيس السيسي كل تلك الملفات المعقدة معه في زيارته إلى واشنطن التي تستغرق ثلاثة أيام، لبحثها مع صناع القرار في الإدارة الأمريكية، للتوصل إلى مشتركات تحافظ على مصالح البلدين والشعبين، وتحترم الحق في الاختلاف في النظر لأزمات المنطقة ولغيرها، بعيداً عن الرؤية الأمريكية التي ترى العالم من منظور إما معنا أو علينا، وتناصب موقف الحياد العداء، وتسرف في دعم إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني وحقوق الدول العربية.

في تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية فصل ذو دلالة، إذا كانت السياسة الأمريكية تتعلم من تجاربها في التعامل مع الوطنية المصرية، عنوانه، الرفض القاطع لسياسة الأحلاف الاستعمارية، وحلف بغداد شاهد على ذلك، وعدم الاستعداد لقبول تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا تقر بمبادلة الأرض بالسلام، وبدولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.

في قلب العاصمة القاهرة يقف شامخاً لعنان السماء، برج الجزيرة -187 متراً- الذي شيده الزعيم جمال عبد الناصر بأموال الرشوة المالية البالغة مليون دولار التي حملها إليه مستشاره «حسن التهامي» من ضابط المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط «مايلز كوبلاند» باعتبارها هدية من الحكومة الأمريكية، في النصف الأول من عقد خمسينيات القرن الماضي.

وقال عبد الناصر إنها ليست هدية، بل هي قنبلة لاغتيالي معنوياً، وصادر الأموال لبناء البرج، ليغدو شاهداً أبدياً على أن للشعوب العربية كرامة يجب أن تصان، وأنها مهما تكاثرت الضغوط والتحديات والعقوبات والمؤامرات، ليست عرضة للبيع والشراء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات