نقاط الاتفاق والاختلاف بين القاهرة وواشنطن

ما بين الدفء والجفاء الشديدين تراوحت العلاقات المصرية ـ الأمريكية على مدى العقود الستة الماضية، إلا أنه خلال الفترة الأخيرة، ومنذ وصول الرئيس السيسي إلى سدة الحكم في مصر، فقد تميزت هذه العلاقات بالاستقرار والازدهار، رغم وضوح المواقف المصرية، والاختلاف مع الكثير من التوجهات الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بقضايا السلام في المنطقة وقضيتي القدس والجولان.

زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لواشنطن هذه الأيام تأتي في إطار العلاقات الثنائية المتميزة، وهي الزيارة الثنائية الثانية ضمن برنامج الزيارات المتبادلة بين الدولتين للنقاش والحوار حول مختلف القضايا، في إطار العلاقات الاستراتيجية المتميزة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر.

لا أحد يستطيع أن ينكر قوة أمريكا العسكرية والاقتصادية والسياسية، بوصفها القوة العظمى في العالم، لكن هذا لا يمنع من وضع النقاط على الحروف في الكثير من القضايا العالقة بين البلدين، على اعتبار أن مصر أيضاً هي الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في المنطقة العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، وبالتالي لا بد من وجود حوار عميق ومستمر بين الدولتين، في محاولة لتذويب الفوارق أو على الأقل تقليل حجم هذه الفوارق في بعض القضايا، والاتفاق في بعض القضايا الأخرى، خاصة ما يتعلق بالعلاقات الثنائية.

لا يوجد اختلاف بين الدولتين حول أهمية واستراتيجية العلاقات الثنائية، فمصر بالنسبة لأمريكا شريك استراتيجي مهم، وقوة إقليمية مهمة، ولها الدور الأكبر في حل النزاعات بالمنطقة، ومحاربة الإرهاب، والحفاظ على استقرار وأمان منطقة الشرق الأوسط.

على الجانب المقابل؛ فإن مصر تعي قوة أمريكا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهي حليف استراتيجي لمصر، وقامت أمريكا بدور مهم بمساعدة مصر اقتصادياً وعسكرياً على مدى الأعوام الأربعين الماضية.

توقيت الزيارة شديد الأهمية، بحسب تأكيد الوزير سامح شكري وزير الخارجية، لأنه يأتي في إطار المناخ الإيجابي السائد الآن في العلاقات المصرية ـ الأمريكية على المستوى الثنائي، وإزالة معظم النقاط الخلافية العالقة في العلاقات بين الدولتين، ما أدى إلى وجود حالة من الارتياح العام على المستوى الثنائي، لتتطور هذه العلاقة إلى علاقة استراتيجية قوية، ويتضح ذلك من حجم اللقاءات بين الرئيسين، وعودة دورية اللقاءات الثنائية بعد توقف دام فترة طويلة خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وهذه الزيارة هي الثنائية الثانية خلال فترة حكم ترامب، واللقاء السادس بين الرئيسين.

سألته عن أبرز القضايا المطروحة على طاولة الحوار بين الدولتين خلال هذه الزيارة، فأجاب وزير الخارجية سامح شكري قائلاً: قضايا عديدة مطروحة للنقاش، منها ما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين الدولتين في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وقد تم الاتفاق على عودة الحوار الاستراتيجي بين الدولتين، ومن المقرر أن تبدأ جلساته في مايو المقبل قبل شهر رمضان، بحيث يتم تذليل كل المصاعب والعقبات التي تعترض تطور العلاقات بين الدولتين في مختلف المجالات.

أما المحور الثاني للمشاورات، فهو المحور المتعلق بقضايا السلام في المنطقة، ومكافحة الإرهاب، وضرورة الدفع في اتجاه تحقيق السلام العادل والشامل، بما يتفق وقرارات الشرعية الدولية، وحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وهذا هو الموقف المصري الثابت في هذا الشأن، الذي تتبناه مصر في جميع المحافل الدولية الثنائية والأممية، وكذلك أيضاً إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها الجولان السورية.

مرور 40 عاماً على توقيع اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، ربما يكون دافعاً للإدارة الأمريكية لإعادة تصويب رؤيتها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فلا سلام عادل من دون عودة الأراضي المحتلة، كما حدث مع مصر.

استطاعت مصر بالسلام استرداد كل أراضيها المحتلة طبقاً للوسائل والخطوات المقررة في الاتفاقية، وحتى مبدأ التحكيم الدولي الذي لجأت إليه مصر لاستعادة طابا كان ضمن بنود الاتفاقية في حال اختلاف الطرفين.

تجربة مصر في السلام تجعلها قادرة على تصويب الكثير من المفاهيم الخاطئة في السياسة الأمريكية، خاصة ما يتعلق بقضايا السلام، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على هُوية الدول الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

على الجانب الآخر، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي قد نجح في إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية المصرية من خلال دعم العلاقات مع أمريكا، وجعل مصر شريكاً استراتيجياً لها، لكن في الوقت نفسه إقامة علاقات متميزة ولا تقل قوة أيضاً مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، بعيداً عن أحادية العلاقة، ما أعاد التوازن إلى السياسة الخارجية المصرية، وجعل من مصر قوة يعتد بها في التفاوض مع القوى الدولية المختلفة، وجعل هذه القوى تسمع بإنصات شديد واهتمام للرؤية المصرية في القضايا التي تهم دول المنطقة.

ومن المتوقع أن تشهد المباحثات بين الجانبين المصري والأمريكي تبادل الأفكار والرؤى حول مختلف القضايا، بما ينعكس إيجابياً على المصلحة المشتركة للدولتين بشكل خاص، وعلى مشكلات المنطقة وأزماتها ومستقبلها خلال المرحلة المقبلة بشكل عام.

* رئيس مجلس إدارة الأهرام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات