الحزام والطريق.. والاستقرار الإقليمي

في مقابلة أجريت معه أخيراً، أشاد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي بالإمكانيات الهائلة لمبادرة الحزام والطريق التي تبنتها الصين، وقال إن الاستقرار أمر حاسم، ولا يقتصر ذلك على العلاقات الثنائية بين الصين وباكستان، بل يتعداها ليشمل النشاط الاقتصادي على امتداد العالم أيضًا، لأن الاستثمارات لن تتدفق إلا إلى مكان آمن.

وأضاف قريشي: «كلما توفر الأمن أكثر، زاد المبلغ الذي سيتم اجتذابه، فالتقدم الملموس سيكون فرصًا لمزيد من الاستثمارات، وتوفر فرص العمل، والارتقاء الاقتصادي، ونقل التكنولوجيا والاستقرار. والمحصلة هو استقرار المنطقة. وسيستفيد الفرقاء العالميون كافة من ذلك مع تعزيز الاستقرار والسلام في المنطقة».

في عام 2013، توصلت باكستان والصين إلى تفاهم لتطوير الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، والذي يهدف إلى تحسين الاتصال والبنية التحتية بين البلدين.

ويشمل هذا الممر خطة من ثلاث مراحل، تظل الأولى سارية المفعول حتى عام 2020، في حين ستغطي المرحلتان التاليتان المشاريع الاقتصادية حتى عامي 2025 و2030. وفي إطار المشروع، سيتم إنشاء تسع مناطق اقتصادية خاصة بالممر. وحاليًا، فإن بعض المناطق الاقتصادية الخاصة قيد التطوير بالفعل، في حين أن بعضها الآخر سيبدأ تطويره قريبًا.

وفي المقابلة، أكد قريشي أن تلك المناطق الاقتصادية الخاصة لا تقتصر فقط على الاستثمار الصيني أو الاستثمار الباكستاني. فالجانبان يرحبان بالدول الأخرى للمجيء والاستثمار فيها لأن الصين تضع البنية التحتية وتربطها بالطرق المعبدة والسكك الحديدية والألياف البصرية.

وفيما يتعلق بالخلافات المحيطة بمبادرة «الحزام والطريق» الطموحة، أوضح قريشي: لا يوجد مشروع واحد في العالم يخلو من الصعوبات. فكل مبادرة تواجه الصعوبات، لا سيما في مرحلتها الأولية. وهناك متشككون، وهناك أشخاص يشككون في المفهوم بأكمله، ولكن مع مرور الوقت، عندما نجني الأرباح، يدركون أن هناك قيادة بصيرة تسير الأمور. وهم لا يرون ذلك فحسب، بل يضعون الأمور في نصابها حتى تستفيد منها أجيالنا التالية.

وكان يُنظر إلى باكستان سابقًا كدولة فاشلة من قبل العديد من الدول الغربية، ولكن وفقًا لرؤية الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان على المدى المتوسط والطويل، ستكون باكستان قوة متوسطة في حوالي عام 2035.

وتعمل الخطة على تهيئة ظروف صلبة ليصبح حلم الدولة المتوسطة في باكستان حقيقة واقعة من خلال تشييد البنية التحتية وقدرات الطاقة والمجمعات الصناعية والموانئ، وإيجاد منافع متبادلة مع مبادرة الحزام والطريق.

الجدير بالذكر أن وسائل الإعلام الغربية منحت مبادرة الحزام والطريق لقبًا جديدًا، وهو امبريالية الديون! وجاء هذا التصنيف بعد أن وقعت أكثر من 86 دولة ومنظمة دولية على 102 مذكرة تفاهم مع الحكومة الصينية لبناء مشاريع مشتركة ضمن هذه المبادرة، لكن بعض الشركات الغربية تشعر أنها لا تملك الوصول الكافي إلى تلك المشاريع.

وقد نشرت محطة «سي إن إن» الإخبارية مؤخرًا مقالًا بعنوان «خطة التجارة العالمية للصين تتراكم ديونًا ضخمة على الدول الأصغر»، مستشهدة ببيانات من دراسة بحثية من أحد مراكز التنمية، تدعي أن الاستثمار في البنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية سيجلب أعباء الديون إلى البلدان النامية المعنية.

فهل يمكن أن تكون هذه المخاوف صحيحة ويمكن أن تؤدي مبادرة الحزام والطرق إلى ظهور مواطن ضعف جديدة في ديون البلدان النامية؟

والحقيقة أن مثل هذا السؤال يشبه معضلة «الدجاج والبيض». ويذكرنا هذا الضياع بأنه لا ينبغي لنا أن نفكر فقط فيما إذا كان يمكن بيع الدجاجة لسداد أي ديون ولكن أيضًا التفكير في عدد البيض الذي ستضعه الدجاجة. ففي الأيام الأولى من عمليات الإصلاح وانفتاح الصين على العالم، اقترضت من البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي. كان الغرب قلقًا بشأن أزمة ديون محتملة، لكن ذلك لم يحدث أبدًا عندما انطلق الاقتصاد الصيني.

لذا لا ينبغي لنا أن نلقي نظرة ضيقة على الديون، حيث إن مستوى معين من الديون يمكن أن يكون له آثار خارجية إيجابية ومبادرة الحزام والطريق تهدف إلى بناء القدرات الصناعية بدلاً من التركيز على البنية التحتية فقط.

وقد استثمرت الصين 200 مليون يوان في كل كيلومتر من السكك الحديدية عالية السرعة التي يبلغ مداها 25000 كم، بإجمالي 5 تريليونات يوان. والدين الذي أعقب ذلك، بدلاً من أن يرتفع بصورة صارخة، عزز النمو والتكامل السريع للاقتصاد الصيني.

في الواقع، حتى بعض الصينيين كانوا قلقين بشأن ديون بلادهم من خلال تشييد البنية التحتية لدول الحزام والطرق، بالنظر إلى عدم الاستقرار السياسي في كثير منها وعدم اليقين من العولمة. وبالنسبة للتدابير الممكنة للتخفيف من هذا الخطر، فإن الطريقة الوحيدة هي إيجاد نمو اقتصادي طويل الأجل في مختلف البلدان.

* خبيرة اقتصادية صينية

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات