عن القمة العربية أتحدث

لم يكن حديث الشارع المصري في اليوم الثاني لانتهاء أعمال القمة العربية في تونس عن بيانها الختامي، أو عن نتائجها أو عن مدى إلزام القرارات التي تصدرها لقادتها، بل انصب جل اهتمامه على اللفتة العاطفية الجارفة التي حملتها الكلمة القصيرة للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، مقدماً بها خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي. وجه الرئيس السبسي التحية للشعب المصري الأبي، وذكر السامعين ببيت حافظ إبراهيم: كم ذا يكابد عاشق ويلاقي..في حب مصر كثيرة العشاق.

وما إن أنهى الرئيس التونسي مقدمته، حتى ارتفعت أصوات مجلجلة للجالسين على المقاهي في القاهرة وسمع صوت تصفيقهم بحماس جارف، تماماً كما يفعلون أثناء متابعتهم لمباريات كرة القدم، لكنهم هذه المرة كانوا يتابعون خطاب الرئيس السيسي في القمة.

وبكت صديقتي فرحاً ونحن نشاهد معاً عبر الشاشات أعمال القمة، وأكملت ما تذكرته من بعض أبيات تلك القصيدة: إني لأحمل في هواك صبابة، يا مصر قد خرجت عن الأطواق، كلف بمحمود الخلال متيم، بالبذل بين يديك والإنفاق.

بحثت عن تفسير لهذه الفرحة العارمة التي اجتاحت الشارع المصري حين تأكد مشاركة الرئيس السيسي في أعمال القمة، بعد أن أشيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي عدم مشاركته بها، ومن تحية الرئيس التونسي القائد السبسي لمصر وشعبها، فلم أجد إلا أن الشعوب العربية من هول الآلام التي تكبدتها في العقود الأخيرة، باتت في حاجة لمن يحنو عليها، ويطيب خاطرها، ويعنى بمحبتها الصادقة.

ويحمل إليها ما يبشر بعالم عربي جديد، يسوده الصفاء بدلاً من العداء المصنوع، وتقوده المصالح بدلاً من المنافسة الشريرة، بعد أن كانت قد اقتلعت التطورات المتلاحقة في الساحتين العربية والدولية كثيراً من ثوابته.

هذا فضلاً عن أننا أصبحنا ننتمي إلى جيل من أمتنا العربية من مشرقها وخليجها إلى مغربها، أجهضت أحلامه في قضية الوحدة العربية، والسوق العربية المشتركة، على عتبات مغامرات عربية سابقة، سعت لتحقيق تلك الوحدة عنوة، وبالاستيلاء على قيادة الأمة بالغزو والضم وإلغاء الحدود التي صنعتها الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.

فيما بات يعرف باتفاقية سايكس /‏بيكو، حين اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا على تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية فيما بينهما، وهي الحدود التي ظلت ثابتة ومعترفاً بها دولياً منذ ذلك الحين، برغم أن تلك الاتفاقية، كانت بداية للنزوع الاستعماري لتقسيم الوطن العربي، ووضع العراقيل أمام وحدة أقطاره، بعد أن منح وعد بلفور فلسطين وطناً ليهود العالم.

الكوارث التي أسفرت عن تلك المغامرة بجانب عوامل أخرى أكثر من أن تحصى، كان أخطرها، فتح الأبواب على مصراعيها لمغريات التدخل الخارجي في شؤون دول المنطقة، والاعتداء الصارخ على حقوقها ومصالحها، لا سيما مع السعي الحثيث لإدارة «ترامب» إلى تحطيم القواعد التي تحكم العلاقات الدولية في شتى المجالات، وتتحمل دولنا النصيب الأعظم من نتائج ذلك المسعى الكارثي

كان من الطبيعي والحال هكذا، أن تتواضع الأحلام ويصبح التوصل للحدود الدنيا من التوافق العربي، والتئام شمل القادة العرب في اجتماعهم الدوري المشترك نجاحاً في حد ذاته ومبعثاً للسرور، خاصة بعد أن تعقدت ظروف منطقتنا بالحروب الداخلية التي فرضت على دولها وسببت كوارث لشعوبها، وأخذت تهدد بالتقسيم والإرهاب والحروب الطائفية، وجود الدولة الوطنية.

نعم مجرد انعقاد القمة في موعدها يبقى هدفاً ناجحاً، ليس فقط للمراهنات التي سبقتها على عدم القدرة على عقدها، بل أيضا لتوافق القادة العرب حول موقف موحد بشأن حل قضايا المنطقة.

فلينقل ترامب سفارة بلاده إلى القدس، وليمارس ضغوطه على دول هامشية كي تحذو حذوه، وليصدر مرسوماً بسيادة إسرائيل على الجولان السورية المحتلة، وليضيق الخناق على الشعب الفلسطيني وقيادته، فالمؤكد أنه لن يجد قائداً عربياً واحداً يقبل بأي تسوية لحروب المنطقة دون تطبيق القانون الدولي الذي يقضي بالجلاء عن كل الأراضي العربية المحتلة بما فيها مرتفعات الجولان، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وأن قيادة منظمة التحرير هي الجهة الوحيدة المنوط بها التفاوض للتوصل إلى ذلك.

ومن يراهنون على غير ذلك عليهم أن يراجعوا خطابات القادة العرب في القمة التي لم تتقارب في الأهداف فقط، بل أيضاً في تشابه المفردات والجمل، وتبعث برسائل لكل الأطراف، وأولها طمأنة الشعوب العربية أن تلك الثوابت ليس وارداً التراجع عن التمسك بها.

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات