أبعد من رحلة صعود ديك تشيني

سكير، مدمن كحوليات، ورعديد ووغد وفاشل دراسياً، ومتسلق وانتهازي غامض، وشره للسلطة، تلك كانت وغيرها، بعض الصفات التي أطلقها فيلم vice نائب، الذي يروي قصة صعود «ديك تشيني» السياسي، من ذلك الحضيض المشار إليه، الحافل بالتدهور والإخفاق، إلى رئيس موظفي البيت الأبيض، ووزير الدفاع، حتى تقلد موقعه كنائب رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش، الذي نجح في انتخابات مشكوك في نزاهتها، وانطوى تاريخه الشخصي على فترات علاج غير قصيرة من إدمان الكحوليات، في فترة حرجة من تاريخ منطقتنا والعالم، امتدت ثمانية أعوام منذ 2001 وحتى 2009.

شهدت هذه الفترة بعد ثمانية أشهر من تولي بوش الابن الحكم، الهجمات الإرهابية على برجي التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر، وما سمي بالحرب على الإرهاب التي بدأت بتدمير أفغانستان بزعم إسقاط طالبان التي تجري الإدارة الأمريكية التفاوض مع ممثليها الآن وهزيمة تنظيم القاعدة، وغزو العراق واحتلاله، بزعم احتوائه على أسلحة دمار شامل، ثبت فيما بعد كذبه وتلفيقه، ولم يعد يلوح في الأفق نهاية لتلك الحرب، بعد أن خرج تنظيم داعش من رحم القاعدة وانتشرت خلايا التنظيمين النائمة في أنحاء دول العالم شرقه وغربه.

فضلاً عن الأزمة المالية في 2008 التي بدأت في الولايات المتحدة، وامتدت لبقية الدول الأوروبية والدول النامية.

الفيلم أخرجه وكتب له السيناريو والحوار آدم مكاي، وجسده الممثل البريطاني كريستيان بيل (45 عاماً) بشكل مذهل وبإتقان وموهبة بارعتين شخصية «ديك تشيني»، وقال مداعباً مستمعيه وهو يتسلم جائزة جولدن جلوب كأفضل ممثل عن هذا الدور: أشكرك أيها الشيطان لإلهامي القدرة على تجسيد شخصية تفتقد الحضور والجاذبية الجماهيرية.

وهو السبب نفسه الذي دفع مكاي لكتابة الفيلم وإخراجه ليكشف كما قال «كيف استطاع هذا الرجل البيروقراطي الغامض، أن يؤثر في التاريخ بهذه الدرجة».

يفضح الفيلم بسخرية مريرة وتهكم لاذع، وهو يعرض لوقائع حقيقية تبدو كالمشاهد التسجيلية لحياة ديك تشيني، سياسات المحافظين الجدد، التي روجت لخرافة فرض الديمقراطية بالقوة المسلحة، وهي تزعم الدفاع عن المصالح الأمريكية، بينما تعلي من أرباح الشركات التي تستثمر في مجالات الطاقة والسلاح وبينها شركة هاليبورن، التي سبق أن اعترفت بتزوير مستندات بملايين الدولارات بزعم إعادة إعمار العراق، وكان «ديك تشيني» و«دونالد رامسفيلد» الذي أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع، عضوين في مجلس إدارتها.

ولأجل هذا فقط، وليس غيره، دفع «تشيني» المعنيين في إدارة بوش لتزوير الحقائق حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل واتهامه بالتعاون مع تنظيم القاعدة في أحداث سبتمبر.

استغل «تشيني» بقدرته التآمرية العالية، ضعف شخصية بوش الابن وجهله، وعلاقاته هو وأسرته بالتكتل المصرفي «كاريل» المتخصص في الاستثمار في مجال الصناعات العسكرية، وتنفيذاً لنظريته السلطوية، التي تقضي بضرورة تركيز السلطات التنفيذية بين يدي الرئيس، لدفع بوش بإصدار قرار غزو العراق، الذي انتهى بتدميره، ونهب ثرواته النفطية والتراثية، وتغذية دور النفوذ الإيراني في شؤونه الداخلية، وتهيئته كبيئة حاضنة لتنظيم داعش، الذي لاتزال أعماله الإرهابية تلقي بظلالها الكارثية على مجريات الأمور في شتى دول العالم، مكذبة مزاعم إدارة ترامب، بالقضاء عليه !

أهمية هذا الفيلم البديع، أبعد من تسجيل رحلة الصعود غير المبرر لقيادة أمريكية محدودة الإمكانيات، أنه يزيح الغبار عن تشويه فظ متعمد للوقائع، ولا يدين فقط التاريخ القريب، الذي تولى فيه مجموعة من الجهلاء وأصحاب المصالح الخاصة من شذاذ الآفاق حكم دولة كبرى، والتحكم في مصيرها، ومصائر الآخرين، بل لعله يلفت الانتباه كذلك إلى الحاضر الذي يشبهه.

إذ بالله عليكم ما هو الفرق بين مشهد الفيلم الذي يهدد فيه تشيني كولن باول بتغيير شهادته لتبرير غزو العراق، والمشهد الفاضح الذي بثته وسائل الإعلام أمس الثلاثاء للرئيس الأمريكي ترامب، وهو يجلس وخلفه نتنياهو محاطاً بالعصابة الصهيونية في إدارته، ليوقع قراراً لا يملكه، بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.

لكن الفضائح لم تكن تقتصر فقط على ما يجري في البيت الأبيض، من قبل قادة يتلاعبون بمصير شعوبهم وشعوب العالم، بتشريع البلطجة قانوناً في العلاقات الدولية، بل هي امتدت كذلك إلى هوليوود. فقد فاز الفيلم بثمانية ترشيحات لجوائز الأوسكار، بينها أفضل فيلم وأفضل سيناريو وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل مونتاج، لتكون المفاجأة هي نيله لجائزة أفضل مكياج وتصفيف شعر، لتحفظ تلك الجائزة المضحكة في سجلات المساخر لجائزة الأوسكار!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات