جاسيندا والذكاء الإعلامي

صورة جميلة للامتنان والعرفان، عبّرت عنها الإمارات لرئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا آردرن، حين وضعت صورتها على برج خليفة، فقد أبلغت هذه الصورة مشاعرنا لها.

طريقة تعاملها مع الحادث الإرهابي، يجب أن تصبح نموذجاً نتعلم منه كيف يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة، السلبي إلى الإيجابي، الخسارة إلى ربح، الهزيمة إلى فوز.

إضافة إلى مكسب الاحترام والتقدير، الذي حصلت عليه، نتيجة موقفها الإنساني، إلا أن تلك الصورة الإنسانية، استخدمت بذكاء شديد ومثير للإعجاب.

رئيسة الوزراء، أخذت على حين غرة، وأمام صدمة كبيرة، المتأثر هو العالم أجمع، إسلامي وغير إسلامي، السيناريوهات المتوقعة، فوضى وعنف، وردات فعل كبيرة داخل الدولة وخارجها. سمعة سيئة وسلبية، قد تنعكس على الأمن والاستقرار، وعلى خسائر اقتصادية كبيرة.

الجريمة بشعة، وعدد الضحايا كبير، وطريقة نقلها المباشرة، قصة بحد ذاتها، تحتاج أن نقف عندها كثيراً، إنما ليس هذا ضمن سياق موضوعنا، إنما مواجهة موقف من هذا النوع، كانت تتطلب حنكة وحكمة وثباتاً وحزماً، وسرعة اتخاذ قرارات غير مسبوقة، فأمامها ساعة بالكثير، كي ترسم خطتها وتبدأ تنفيذها.

«الإعلام» مثلما كان هو أداة للجريمة، لا بد من استخدامه أداة للمعالجة، لا بد من إبراز موقف الدولة إعلامياً، ولا يكفي هنا إصدار بيان وترك الإعلاميين يقرؤونه أو يتلونه، بل لا بد من صدمة جماهيرية إيجابية، مقابل صدمة سلبية، أثر يهز في الاتجاه المعاكس.

لذلك، كان ظهورها السريع وقراءتها بنفسها للبيان من دون تأخير، ثم الذهاب إلى تجمع للمسلمين في اليوم ذاته، وتكرار صور احتضانهم، وإبداء مشاعر التعاطف الصادقة، صورة وصوتاً، وهي تبدي صور التماثل والانسجام والانصهار التوحدي الاجتماعي، هي الصدمة الإيجابية المطلوب نقلها للعالم أجمع.

استخدمت كل الأدوات المؤثرة المتاحة، اللباس مثلهم، البدء بتحيتهم وقراءة آياتهم. التلاحم الجسدي، لغة الجسد، لا بد أن توصل الرسالة الصحيحة.

أياً كان مستشارها الإعلامي، فإنني أرفع له القبعة، وقد يكون ذلك قرارها وحدها، فقد كانت جاسيندا مستشارة لتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا في يوم ما.

كانت تلك الصور الإعلامية، هي الشعلة التي أطلقت ماراثون المبادرات الشعبية الجميلة، التي تقدم بها النيوزيلنديون للعالم كله، الذي أبدع حقيقية في إبرازها الواحدة تلو الأخرى، فما تكاد تنبهر من واحدة، إلا وقد فاجأك بالتالية، وكل واحدة تلمس شغاف قلبك، وتجعل الدموع تتقافز لمقلتيك.

النتيجة هي: بدلاً من أن يُذكر الإرهاب حين يذكر اسم نيوزيلندا، بدلاً من أن يكون الحادث الإرهابي هو اللصيق باسم هذا البلد، أصبح الرقي والاحترام وصور التسامح عنواناً لهم، وتحولت الحملة إلى أكبر تسويق لنيوزيلندا (ونحن هنا نتكلم من منظور مهني بحت، يتناول التعاطي السياسي والإعلامي للأزمات).

لقد استخدمت رئيسة وزراء نيوزيلندا، الإعلام بذكاء شديد. قرارها كان سليماً، ولم يتأخر، لأنها تعرف أن التأخير سيجعلها في موقف المدافع والمبرر، إنما السبق في احتلال القصة، يجعلك أنت المتحكم في الرسالة، كان التصوير حاضراً، وجعلته بقربها في الأزمة. تحكمت في رسائله، وحرصت أن تكون اللغة النيوزيلندية واحدة، وتناغم معها جميع المسؤولين والإعلاميين، ومن ثم أصبح العزف النيوزيلندي جماعياً.

اليوم نيوزيلندا هي عنوان للجمال الروحي وللسلام وللتعايش وللرقي والإنسانية، وذلك كله بفضل استخدامهم الذكي والسريع للإعلام.

برافو جاسيندا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات