إيطاليا والخروج من الاتحاد الأوروبي

لن ننسى أبداً الساعات الأولى من يوم 1 يناير 2002. فقد خرجت حشود من الإيطاليين إلى الشارع للاحتفال بالسنة الجديدة، واصطفوا في طوابير لسحب النقود من الآلات. وكانوا جميعاً في عجلة من أمرهم للحصول على الأوراق النقدية من العملة الأوروبية الموحدة التي تم إطلاقها حديثًا في ذلك الوقت. بدا الأمر وكأن هذه الأموال معجزة من شأنها أن تحل في نهاية المطاف محل الليرة الإيطالية التي تتعرض للانخفاض بصورة مزمنة، والتي تشكل رمزاً لأزمات إيطاليا المتعددة.

في تلك الليلة شعرنا أننا ندخل عالمًا جديدًا، وهو مكان يسكنه أناس جسورون وجادون ينعمون بعملة محترمة. بالطبع لن نصبح من أصحاب الملايين (كان متوسط الأجر الشهري للعامل في ذلك الوقت 1.4 مليون ليرة)، لكننا سعدنا بالتداول في ملاييننا من الليرات الإيطالية لكونها تحولت إلى عملة أوروبية.

في ذلك الوقت تم إجراء حوالي 2.5 مليون عملية سحب للنقود. وبلغت قيمتها الإجمالية 184 مليون يورو، مما سجل رقماً قياسياً في أوروبا.

وتوجت تلك العملية النقدية باندفاعها المحموم على مدى 10 سنوات. في التسعينات كنا خائفين من عدم السماح لأشخاص بارزين من السياسيين والمدرسين ورجال الأعمال بدخول هذا النادي الأوروبي، فقد كان بمثابة تعويذة تشرع الأبواب على عالم من الأحلام.

لكن كل ذلك تغير في عام 2018. ويبدو أن ذاكرتي هي ارتداد لأزمنة ما قبل التاريخ. وأصبحت الحكومة الإيطالية الحالية التي يسيطر عليها اليمين المتطرف في روما اليوم مناهضة للنظام وتحالف بروكسل. وظهر ماتيو سالفيني كسياسي قوي جديد في إيطاليا بعد تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية. وقد أشاد به الشعبويون اليمينيون في جميع أنحاء أوروبا لإغلاقه الموانئ الإيطالية أمام سفن إنقاذ المهاجرين، وتوترت علاقات إيطاليا مع المفوضية الأوروبية بسبب خططه الخاصة بالميزانية.

إن خطاب الحكومة الإيطالية الحافل بالكراهية ضد المهاجرين والأقليات قد أضفى الشرعية على أسوأ الناس. في الصيف الماضي، في غضون شهرين من تشكيل الحكومة، وقع أكثر من 30 هجوماً عنصرياً. لم يعد الكثير من الإيطاليين يشعرون بأي خجل في التعبير صراحة عن الأفكار المناهضة للسود ولروما. وفي الوقت الذي نتجه نحو انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل، لم تعد أية أفكار حول إيطاليا ما قبل الأزمة الموالية لأوروبا، حقيقية. لقد انتشرت الشعوبية في جميع أنحاء الغرب، وفي إيطاليا بشكل خاص، كانت الثورة الحالية تشبه قضية حب تحولت إلى كراهية.

كان الإيطاليون من الطبقة الوسطى مقتنعين بأن الاتحاد الأوروبي، خلافاً لمؤسساتهم الوطنية، سوف يوفر لهم الاستقرار والعدالة والإنصاف ويضع حداً للفساد. أشك في أننا أحببنا دولتنا بقدر ما أحببنا الاتحاد الأوروبي. وأولئك الذين نشأوا في إيطاليا في السبعينات من القرن الماضي، سيتذكرون أنهم أصبحوا أدنى من غيرهم، ويتم احتجازهم في بلد محكوم عليه بالفشل.

في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، سمحت سياسة ما بعد الحرب بحياة ديمقراطية سليمة إلى حد معقول. وفي إيطاليا، تم إحباط تطلعاتنا إلى الديمقراطية. وأصبح لدينا الحزب الشيوعي الأقوى في أوروبا الغربية، وعانينا من العنف الفاشستي الجديد والكتائب الحمراء.

وسار الشعور بالعولمة -الإثارة في السوق العالمية -جنباً إلى جنب مع الحماس الشديد للاندماج بالاتحاد الأوروبي. وكمراهقين، أمضى كثير منا الصيف في المملكة المتحدة لتعلم اللغة الإنجليزية. واعتقدنا أن مسألة اللغة ستساعدنا في العثور على عمل في وقت لاحق، وستمكننا أيضًا من التحدث مع الأوروبيين الآخرين. في أعماقنا كنا فخورين بأن نجد أنفسنا على قدم المساواة مع الشباب من البلدان المجاورة. وكنا مقتنعين بأن مستقبلنا يقع بالكامل في الاتحاد الأوروبي، مما يجعل من العملة الموحدة وإزالة الحدود أمراً لا مفر منه. وأننا سنستمتع برفاهية التنقل من ميلانو إلى نيس، لتناول الغداء هناك، دون الحاجة إلى إظهار بطاقات الهوية الخاصة بنا.

إن حرب إيطاليا على المهاجرين تجعلني أخشى على مستقبل بلد روبرتو سافيانو، لكن في السنوات الأخيرة تحولت إيطاليا من كونها مصممة على «عدم تفويت الحافلة» إلى الشعور بالضجر.

إن أوروبا مستمرة في مطالبتنا بتحقيق بعض الإنجازات. لقد تراجع الاتحاد الأوروبي تدريجياً عن مصالحه، ولم يعد محباً مليئاً بالوعود، وأصبح قناعاً يرى الكثيرون أنه يخفي وراءه ألمانيا مهووسة بالتقشف.

* كاتب صحافي إيطالي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات