من أمراض العصر وعلاجها

لا يخلو أي عصر من العصور، من أمراض تحتاج إلى علاج، ولسنا نعني بها الأمراض العضوية والنفسية، وإنما الأمراض الدينية والفكرية والثقافية والأخلاقية، وعصرنا الحالي، من جملة العصور التي تعاني من ذلك، بسبب جنوح أفراد وجماعات عن طريق الوسطية والاعتدال، ونزولهم من قمم الأخلاق والقيم الرشيدة.

ومن أشد أمراض العصر فتكاً وأكثرها ضرراً، التطرف والإرهاب، وانتشار أيدولوجيات العنف والقتل والعدوان، وبروز تنظيمات إرهابية تتسلق على الجماجم والأجساد، وتستخدم الحديد والنار للوصول إلى غاياتها الدنيئة، مثل داعش والقاعدة والحوثيين وغيرها، الذين رضعوا أفكاراً إرهابية، وتربوا على القسوة والوحشية، وخالفوا التعاليم الربانية، والفطر الإنسانية، وألبسوا جرائمهم لباس الدين، والدين منهم براء، وقد وجدوا للأسف من يمولهم ويدعمهم ويوظفهم ويستفيد منهم، لتحقيق مصالحه الخاصة، والعالم اليوم، وخاصة العالم الإسلامي، يضيق الخناق حول الإرهاب، ويسعى جاهداً لتجفيف منابعه، ومن ضرورات ذلك، التعاون المشترك بين الدول لوضع استراتيجيات شاملة ضد التنظيمات الإرهابية، لإدانتها وإدراجها في لوائح الإرهاب، دون استثناء أو محاباة، فالإرهاب خطر مشترك، يجب التصدي له بحزم وحسم.

ومن الأمراض العصرية الخطيرة كذلك، مرض الطائفية والتعصب الأعمى، الذي يجعل كل طائفة تخرج عن الخطوط الحمراء في تعاملها مع الأخرى، وتتجاوز لغة الحكمة والعقل الرشيد، وتؤجج الصراعات والفتن، وكم تسببت الطائفية بمختلف أنواعها، الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها، من حروب أهلية وجرائم جماعية في الشرق والغرب، وكم تسببت في إضعاف دول وتفكيكها، وفتحت الباب للتدخلات الخارجية في الدول، بحجة الدفاع عن هذه الطائفة أو تلك، وقد نبهنا القرآن الكريم إلى وأد هذه الفتن، وسد أبواب التدخلات، ونزع فتيل الصراعات والنزاعات، قال الله تعالى:

{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عَدْواً بغير علم}، فنهى الله تعالى عن سب الأصنام، حتى لا يسب عُبَّادها رب العالمين، وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، وهو أصل عظيم في سد الذرائع، ودرء المفاسد، وفي ضوء هذه الآية، نبَّه العلماء على أنه لا ينبغي للمسلم أن يتعرض لغير المسلمين بسب دينهم، لما يترتب على ذلك من سب الله أو رسوله أو الإسلام أو أهله، أو تنفير غير المسلمين، أو غير ذلك من المفاسد، ويتأكد هذا المعنى في المجتمعات ذات الطوائف والأديان المتعددة، وفي الآية الكريمة، ترشيد للحوار، وترسيخ لقيم التعامل الراقي.

ومن أمراض العصر الخطيرة كذلك، التطرف اللا ديني والإلحاد، والمادية المفرطة، والأفكار الإباحية، والاتجار بالنساء والأطفال، والعنف الجنسي ضدهم، وغيرها من الممارسات التي تنافي الكرامة الإنسانية، وتناقض المبادئ الأخلاقية والعقلية، وتهدم القيم الإيجابية، وتحول الإنسان إلى كائن شهواني، مفرط في الأنانية واللذات الشخصية، مؤمن بمبدأ أن القوي يأكل الضعيف، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وألا مصلحة فوق مصلحته الشخصية، وأنه لا توجد وراء ذلك أي غايات سامية، والعلاج يكمن في التربية الإيمانية والأخلاقية، والجوانب القانونية التي تحفظ الحقوق وتصونها، وكذلك في التوعية العلمية والثقافية والفكرية، التي تكافح أفكار الإلحاد بالحجج والبراهين العلمية، وتعالج التطرف اللا ديني بخطاب ديني واعٍ رشيد.

ومن أمراض العصر التي تحتاج إلى علاج كذلك، الأيدولوجيات السياسية التي تتاجر بالدين وبالحقوق والحريات، وتتخذ ذلك سُلَّما لنيل مآربها السياسية، وكم تسببت هذه الأحزاب والتيارات في إدخال المجتمعات في دوامات من الفوضى والصدامات الداخلية، دون مراعاة للمصالح الوطنية، والقيم الدينية الصحيحة، وخاصة التيارات الإخوانية، التي وظَّفت الدين لخدمة أجنداتها، وجعلت من نفسها أداة هدم وتحريض ضد الدول، وكذلك الأيدولوجيات السياسية التي تتاجر بالحريات، وتستقوي بالمنظمات الخارجية، وتتوغَّل وتتلوَّن لاختراق المجتمعات، وتحقيق أهدافها عبر الثورات الناعمة.

ومن أمراض العصر كذلك، الثقافات السلبية في أبواب التغيير والإصلاح، والتي تعزز الثورات والخروج على الأنظمة والقوانين، وتأزيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهدم السِّلم الاجتماعي، ونشر الروح الثورية في المجتمعات، وإلباس الرموز الثوريين لباس الأبطال، وإظهارهم كقدوات، وتغذية الأجيال بذلك، والتأصيل لذلك فكرياً وثقافياً، والعلاج في إصلاح هذه الخطابات الثقافية، وترسيخ المناهج الإيجابية في باب الإصلاح، والتي تتخذ من الحكمة والتعقل ومراعاة المصالح العامة ميزاناً لها.

ومن أمراض العصر كذلك، المنتفعون من المصائب والكوارث من تُجار السُّموم، والمستفيدين من السوق السوداء، وغيرهم، الذين يقتاتون من الصراعات ودماء الأبرياء، ويتربَّحون عليها، ويجعلون من مآسي الشعوب غنائم لهم.

وغير ذلك من الأمراض التي تتطلب جهوداً مشتركة لعلاجها والوقاية منها، سواء عبر الخطاب الديني أو الثقافي أو الفكري أو الإعلامي أو القانوني، وهي مسؤولية يشترك فيها الأفراد والأسر والمجتمعات والمؤسسات والدول، ليسود السلام والتعايش في ربوع الأرض، وتنتشر القيم الإيجابية التي تسعد البشرية في دنياهم وأخراهم.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات