الشاه الأبيض والشاي الأسود

بالنظر إلى رقعة الشطرنج، تفاجأ المجتمع الدولي، بل وصدم أيضاً، ببعض الصور والفيديوهات التي تناقلتها وسائل الإعلام، للشاه الأبيض، يُلقي بأكياس الشاي والسكر على المواطنين، للترويج للانتخابات البلدية، واعتبرها مراقبون أنها دعاية رخيصة تثير السخرية، ورآها آخرون أنها رشى انتخابية، واتفق كثير من المغردين «أن الشاه مجرد بائع متجول».

في الأرشيف، وعندما كان عمدة لإسطنبول، وقبل توليه رئاسة الدولة التركية، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «إن الديمقراطية مجرد قطار تنزل منه عندما تصل وجهتك»، فلم ينتبه الشعب التركي لمعاني تلك الرسالة، ولم يدرك أن هناك مستقبلاً قادماً ينتظرهم، يشي بفكرة متجذرة تقول «جوّع شعبك يتبعك».

هذه الأخطاء الفادحة، قد تكون السبب الأول لانهيار الاقتصاد التركي، حيث بدت الفجوة عظيمة بين ما يتمتع به الرئيس التركي وقيادات حزب التنمية والعدالة من امتيازات، وبين معاناة المواطن البسيط الفقير، يقول مغرد تركي: «بينما كان أردوغان يشرب الشاي الأبيض في قصره، وهو مُكلف للغاية، حيث يكلف كيلوغرام واحد منه، 6000 ليرة تركية، فإنه يقدم الشاي الأسود الرخيص للشعب».

المسألة الداخلية التركية لا تعنينا كثيراً، فقد تكون البوتقة السياسية الإخوانية لحزب التنمية والعدالة، هي التي جرجرت تركيا من الاعتدال إلى التقوقع، ومن الانفتاح إلى حصار سياسي اقتصادي مزمن، وهي التي أثارت حقاً غضب الشارع التركي وحنقه، حيث يبدو أن محاولة الإخوان لتنصيب «أردوغان» كشاه وأب روحي لتلك الحركة الإرهابية، وتقمصه لهذا الدور، قد جعلت منه نسخة حقيقية لـ «علي خامنئي»، الذي يُطبّل له من حوله فقط، بينما يسأم البقية جميعاً من وجوده.

المطبّلون، ليسوا فقط حزب الإخوان السوري، الذي نشر مؤخراً بياناً يتوسل «الشاه الأبيض» بغزو المنطقة الآمنة في سوريا، وعزلها جغرافياً وضمها إلى تركيا، ويتجاهلون فيه خطورة تقسيم سوريا، ومنحها هدية للأتراك، بل هناك دويلات صغيرة جداً، بحجم قطر، لم تجد غير العثمانيين للتطبيل لتاريخهم الدموي، والاستنجاد بهم لحماية نظام الحمدين في الدوحة.

في المقابل، وحسب مخرجات لعبة الشطرنج الأخيرة، فإن الشحن العاطفي والتطلعات المرتبكة للشاه الأبيض، والتي أدت إلى توتر العلاقات مع السعودية ومصر والإمارات وغيرها، تجعل من تركيا خاسرة لا محالة، سياسياً واقتصادياً، بل وتجعلها تقترب من منزلة إيران الإرهابية، خاصة بعد نشر مقاطع لتصريحات وزير الداخلية التركي الأسبوع الماضي، يتوعد فيها كل شخص ينتقد تركيا بالقبض عليه حين يزورها.

سؤال يطرح نفسه بقوة: هل بقي لأنقرة أي مساحة مُتاحة لإصلاح علاقاتها مع عواصم عربية لها ثقل سياسي كبير، بوزن الرياض وأبوظبي والقاهرة؟ وهل ما خسرته تركيا في معارك الشطرنج الوهمية السابقة، كاتهام دول بتدبير الانقلاب على أردوغان، ومعركة حادثة خاشقجي، ومعركتها الصغيرة إلى جانب قطر، سيجعل مهمتها في الإصلاح، إن كان لديها نية لذلك، مهمة سهلة؟ أم أن تركيا قد أحرقت كل سفن العودة؟

المشهد السياسي يقول خلافَ ذلك، فتأسيس أنقرة قاعدة عسكرية تركية في قطر والسودان، هو دليل عجيب على مخطط طويل المدى لفتح جبهات، لا تحمد عقباها، وهي دليل على تصعيد مرتبك جداً، سيقود الشعب التركي، بلا شك، إلى المصير ذاته، الذي يعاني منه شعب إيران منذ أربعين عاماً، وهي العزلة، ووسم الإرهاب.

الشاه الأبيض، أو الخليفة المزعوم، ومن وجهة نظري الشخصية، وبعد أن خسر وزيره وأفياله وبيادقه، يواجه حصاراً على قلعتيه، ليس سببها فقط الهتافات الكثيرة التي تطالب بمقاطعته نهائياً، بل لأنه راح يدور حول نفسه، يرفض السلام، ويرفض التعادل أو الاستسلام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات