تسخير قوة الإعلام في معالجة تحديات الاستدامة

يواجه العالم حالياً بعضاً من أكبر التحديات في مجال الاستدامة، ولو نظرنا إلى الطرق التي ينبغي اتباعها لتخفيف الآثار الضارة الناجمة عن التغيّر المناخي، على سبيل المثال، والسبل الكفيلة بالتعامل السليم مع الموارد الطبيعية المتناقصة، وكيفية تعاطي الاقتصاد العالمي مع النمو في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها الحاصلة في سوق العمل، لوجدنا أن القرن الحادي والعشرين قد وضع البشرية أمام أصعب الأسئلة حتى الآن.

ويحاول بعض المستثمرين الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بحثاً عن الكسب المادي فحسب، ولكن للاستثمار الاستباقي كذلك في الفرص المرتبطة ارتباطاً إيجابياً بالعائدات المالية والاجتماعية.

بيْد أن ضخّ الأموال في إيجاد حلول لمشكلات العالم ليس كافياً وحده، فمواجهة التحدّيات العالمية تتطلب في الواقع استخدام قوة رأس المال لزيادة الوعي ودفع الحلول الصحيحة إلى الواجهة، كما نحتاج في تحديد هذه الحلول إلى بناء فهم شامل يؤدي إلى تخفيف المخاطر وضمان أن تنجح الاستراتيجيات المنفَّذة في تحقيق نتائج شفافة وقابلة للقياس. ولعلّ تمهيد الطريق نحو المستقبل يكمُن في الاستفادة من المشهد الإعلامي والمعلوماتي الراهن اليوم.

لقد بتنا بفضل سرعة الاتصالات الحديثة واتساع نطاق انتشارها، ندرك تماماً التحديات التي يواجهها العالم، فإذا حدثت، مثلاً، كارثة طبيعية، أو نضبت موارد المياه في مدينة أو منطقة ما، فلا يهم في أي أصقاع الأرض حدث ذلك، فالخبر قادر على الوصول إلى الجميع فوراً تقريباً في لحظة وقوع الحدث، ألَسنا نحمل في جيوبنا الوسائل التي تمكّننا من الاطلاع لحظة بلحظة على الأخبار؟!

إن بوسع البشر نشر الحلول الممكنة بالسرعة نفسها التي تنتشر بها عناوين الأخبار، لذلك ينبغي لنا، في حقبة «إنستغرام» و«تويتر»، أن ندرك الفرص السانحة لرفع مستوى الوعي بالقضايا الرئيسة في أوساط أوسع شريحة ممكنة من جمهور المستثمرين المهتمين من أصحاب الفطنة والتأثير، كذلك يجب أن نفهم الطريقة الأنسب لعرض التحديات والحلول أمام من يمتلك القدرة على معالجتها، وذلك بأسلوب جذّاب يلفت انتباههم ويحفّزهم على الأخذ بزمام المبادرة والعمل.

لكن ما السبيل الأفضل إلى ذلك؟ لقد بدأت الاهتمامات تشهد في الوقت الراهن تغيراتٍ يُعزّزها التحوّل الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي في تركيز الإعلام العالمي، فأصبح قدرٌ كبير من الاهتمام ينصَبّ على عناوين تتناول «الأفراد» و«الأشياء»، على حساب البحث في الأمور الأهمّ، مثل «الكيفيات» و«الأسباب»، وبِتنا بحاجة إلى تحدّي الصيغة التي تُوضع بها العناوين الرئيسة والتعليقات التفاعلية، وتمكين صانعي التغيير المحتملين من المستثمرين المؤثرين، من الاهتمام بالعوامل المؤثرة في هذه القضايا والحلول الممكنة لها.

هذا الأمر يعني الحرص على التخصّص المتعمّق بدلاً من التعميم السطحي، وهو بالضبط ما يحدّد الاستراتيجية الكامنة وراء شبكة «كارما نتوورك»، على سبيل المثال، التي تُلملِم الرؤى والأفكار المتعمقة بشأن ما يتعلق بالاقتصاد الكلي من توجهات وابتكارات وميول للمستهلكين ونماذج تجارية، لتصوغ منظومة من المستثمرين ضمن «لجنة» رقمية تحاكي لجان المؤتمرات فعلاً وتأثيراً. إننا اليوم بحاجة إلى منح الجهات الريادية في قطاعات الأعمال المختلفة مساحة وافية لطرح وجهات نظرهم حيال المواضيع التي نواجهها، والتي تتسع لتتناول كثيراً من المجالات المتخصصة، بدءاً من السوق الناشئة المعنية بخدمات الخصوبة، ومروراً بمسائل تخزين الطاقة، وليس انتهاء بقضية الكفاءة في توزيع الطاقة النظيفة.

إن من الممكن تماماً الجمع بين الكسب المادي من جهة وتحسين أحوال العالم عبر التصدي للتحديات ومعالجتها من الجهة الأخرى، فالمستثمرون المؤثرون المبتكرون موجودون والاستخدام الرشيد لرؤوس أموالهم يمكن أن يَفي بالاحتياجات المباشرة للقضايا الاجتماعية والبيئية الملحّة ويتيح الدعم لها، لكنّ هؤلاء المستثمرين بحاجة إلى بناء فهم أعمق للفرص والمخاطر التي تواجههم.

إن القدرة على إحداث تغيير ذكي في المشهد الإعلامي المتطور والمعقد، وتسخير القوة الكامنة في الإعلام، من شأنه إتاحة المجال أمام المستثمرين لبناء العلاقات المناسبة واكتساب الرؤى الصحيحة، ما يمكّنهم من إحداث التغيير الملموس والمنشود في هذا العالم.

 

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تايملس ميديا» وعضو مجلس إدارة بنك «هيندوجا» الشرق الأوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات