الدستور المصري يحتاج إعادة نظر

إذا كان صحيحاً أن الدساتير ليست خالدة، وأن الدساتير يمكن أن تغير بعض أو جميع بنودها، ويمكن أن تتعرض للحذف والإضافة والتبديل والتغيير وفق حاجات المجتمع التي هي بالضرورة متغيرة متطورة، لأن سنة الكون أن الحياة في صيرورة مستمرة، لا شيء ثابت أو ساكن أو خالد، فالدساتير وثائق تنهض بالحياة، لا ترتبط مفاهيمها بلحظة زمنية محددة، تتفاعل مع عصرها وفق القيم التي ارتضتها الجماعة الوطنية.

والدستور الحالي رغم إقراره في ظروف صعبة ضاغطة دستور جيد في مجمله، لكنه باليقين ليس الأفضل والأحسن، ومن المؤكد أنه ينطوي على عدد من البنود التي تحتاج إلى إعادة نظر، لكن الحقيقة المهمة في كل ذلك، أن لكل عصر ظروفه الثقافية والاجتماعية وتجربته السياسية التي تطبع دساتيره وتنطوي على قدر من الخصوصية الوطنية لا يمكن لها أن تستنسخ تجارب الآخرين، ومن ثم فإن الدستور في نشأته وتطوره هو بالضرورة تجربة وطنية حية تختلف عن تجارب الآخرين، يصعب محاكاتها واستنساخها، والمهم أن تأخذ التعديلات الدستورية، متى تأكد ضرورتها، حقها في الدراسة والنقاش، وتحظى بأكبر قدر مستطاع من النقاش المجتمعي العلني.

وما حدث بالفعل أن 155 عضواً يشكلون أكثر من خمس أعضاء مجلس النواب، يستوفون كل الشروط المتعلقة بصحة طلب تعديل الدستور، حددوا في طلبهم الدستوري نصوص الدستور المقترح تعديلها أو إلغاؤها أو تحقيق إضافة لها في عدد من المواد يربو على 12 مادة، تتعلق أولاً بترسيخ تمثيل المرأة في مقاعد البرلمان بأن يكون لها حصة محجوزة لا تقل عن ربع الأعضاء، لأن المرأة تمثل عدداً أكثر من نصف المجتمع وتمثل كيفا نسبة أكبر بكثير من نصف المجتمع لأنها الأم التي تربي وتعلم، وتتعلق ثانياً بزيادة مدة تولي منصب رئاسة الجمهورية لتصبح 6 سنوات بدلاً من أربع بعد أن أظهر الواقع العملي قصر المدة الشديد غير الملائم للواقع المصري، واستحداث منصب نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية لمعاونته في أداء مهامه، وتتعلق ثالثاً بإنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية للنظر في الشؤون المشتركة للجهات والهيئات القضائية، ووضع آلية إجرائية توسع من فرص رئيس الجمهورية في اختيار رؤساء الهيئات من بين خمسة مرشحين ترشحهم مجالس الهيئات العليا، فضلاً عن توحيد آلية اختيار النائب العام من ثلاثة مرشحين يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، واختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم خمسة من نواب رئيس المحكمة الدستورية بما يوسع قاعدة الاختيار، لكنه يحصرها في نطاق الشخوص المؤهلة الذين ترشحهم هيئاتهم العليا، ولضمان دستورية الاختيار أوكل التعديل الجديد هذه المهمة لرئيس الجمهورية باعتباره رئيس الدولة وليس رئيس السلطة التنفيذية، ولست أرى في توسيع حق اختيار رئيس الدولة أي نوع من العوار الدستوري، لأن رئيس الدولة سوف يختار من قاعدة محددة يتوافر لجميع أفرادها الحق القانوني في هذا المنصب، وترشحهم الهيئات القضائية العليا، وربما تكون شبهة العوار الوحيدة في هذا النص، أن التعديل الجديد أوكل لرئيس الدولة الحق في إنابة وزير العدل وهو عضو في السلطة التنفيذية، لكن شبهة العوار الدستوري تمتنع تماماً إن أوكل رئيس الدولة لنائب رئيس الجمهورية هذه المهمة بدلاً من وزير العدل.

تتضمن التعديلات الدستورية الجديدة أيضاً زيادة تمثيل العمال والفلاحين والشباب والأقباط والمصريين العاملين في الخارج والأشخاص ذوى الإعاقة دعماً لحقوق المواطنة وتقوية للنسيج الوطني، وما من شك أن أحد المعايير المهمة لقياس صلاحية المجالس الشعبية هو مدى نجاح هذه المجالس في تمثيل كل قوى الشعب والمجتمع، ومدى عدالة توزيع هذا التمثيل على جميع فئات المجتمع، بما يجعل مجلس النواب ممثلاً لكل الفئات وكل القوى تمثيلاً صحيحاً وعادلاً، كما تنحاز التعديلات الدستورية الجديدة إلى إنشاء مجلس للشيوخ كغرفة ثانية للبرلمان المصري إلى جوار مجلس النواب، ضماناً لإنجاز العملية التشريعية وسن قوانين جديدة بطريقة صحيحة تضمن حسن الدراسة والمناقشة، والاستفادة المثلى بمخزون الخبرات المصرية من أهل الخبرة، خاصة أن التعديلات تشترط فيمن يترشح لعضوية مجلس الشيوخ أن يكون حاصلاً على مؤهل جامعي، وألا تقل سنه عن 35 عاماً بما يضمن وجود خبرات ذات دراية وعلم وتجربة، فضلاً عن أن مجلس الشيوخ المقترح سوف يضم 250 عضواً يتم انتخاب ثلثي أعضائه بالاقتراع العام السري المباشر، ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي بما يتيح للرئيس اختيار الخبرات المؤهلة التي يتوافر لها العلم والدراسة والتجربة العملية.

ضمن التعديلات الدستورية المقترحة أيضاً، إعادة صياغة المهمة الوطنية للقوات المسلحة بما يكفل الحفاظ على المقومات الأساسية للدولة المدنية، وصون مكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد دون المساس بمدنية الدولة..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات