تناقضات الربيع ووضع المرأة

يهل شهر آذار (مارس) من كل عام، مصطحباً نقيضين: رياحاً وزعابيب خماسينية، وبشائر وملامح ربيعية. وبينما قارئ النشرة الجوية ينبئنا بأن الغد رياح متربة ودرجات متأرجحة، نتنفس رائحة بشائر الربيع الأولى، وتتحول زقزقة العصافير، من الزقزقة السريعة تحصيل الحاصل، التي تجري في الشتاء، إلى المتأنية، العازفة ألحاناً وأنغاماً في الربيع. هذه التناقضات الجوية والزعابيب الربيعية، تشبه كثيراً وضع المرأة في عالمنا العربي.

وربما هي مصادفة بحتة، أن يكون يوم المرأة العالمي ويوم المرأة المصرية وعيد الأم، مناسبات نسائية يقع جميعها في هذا الشهر المزعبب المحبب في آنٍ، لكن رب صدفة خير من ألف ترتيب وتدبير. وتدبير أعياد المرأة بأنواعها في هذا الشهر، لا يعني فقط تقديم الورود، أو التذكير بمكانة الأم، وقيمة الزوجة، ووضعية الأخت، وأهمية الابنة، إلى آخر منظومة القرابة والرتابة. لكنه قد يعني أيضاً أو يستوجب استدعاء وضع المرأة في عالمنا العربي. والحقيقة أنه وضع يشبه إلى حد كبير وضع الشهر الملتبس طقساً والمتذبذب رياحاً.

رياح التغيير التي هبت على المنطقة في عام 2011، سواء كانت خيراً مطلقاً، كما يتصور البعض، أو شراً خالصاً، كما يتضح مما آلت إليه الأوضاع، تشير إلى أن الأعراض الجانبية أحياناً تكون إيجابية. في مصر مثلاً، ربما كان أفضل ما جرى في سنوات ما بعد هبوب رياح الربيع، هو إتاحة الفرصة للمرأة لتكتشف نفسها وكيانها وحقوقها وواجباتها، بعيداً عن الأفكار التي تسربت وترسخت في أعماق المجتمع منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

أواخر سبعينيات القرن الماضي وما تلاها من سنوات، تشير إلى تدهور أوضاع المرأة في مصر من الأمام در إلى القاع در. هذا القاع لم تتضح معالمه أو تتيقن ملامحه، إلا في الأشهر القليلة التالية لأحداث كانون ثاني (يناير) 2011. تغلغل الأفكار الرجعية، وتمكن التفسيرات الغارقة في التشدد والجمود من العديد من أركان المجتمع المصري، ظهر بشكل واضح وصريح، في كل ما يتعلق بالمرأة.

ويبدو أن ملايين النساء والفتيات المصريات، استيقظن ذات صباح، ليجدن أنفسهن وقد تمكنت منهن أفكار وتوجهات، دفعت بهن في الاتجاه المعاكس لمسار تقدم الأمم وارتقائها. وبدلاً من أن ترتقي النساء سلم المناصب السياسية والقيادية، هبطن ليفتح باب الجدل حول إذا ما كان للمرأة أن تخرج من البيت للعمل أم لا. وبدلاً من التسليم بحق الفتاة الكامل في التعليم والمعرفة، بدأ البعض ينخر سوساً ويهدم فكراً ويغسل أدمغة، لتجد فتيات أنفسهن بين نار الحرمان من التعليم وزواج الطفلة.

مؤشرات عديدة تشير هذه الآونة، إلى مراجعات تقوم بها نساء المنطقة العربية لأنفسهن، وأدائهن، وثقتهن في قدراتهن، وتقدير مجتمعهن لأدوارهن وكيانهن. وجنباً إلى جنب مع هذه المراجعات، تبزغ في السماء العربية مبادرات لا تخطئها العين، ولا يتجاهلها الإدراك.

فبين الدول العربية من أدرك أن المجتمع السوي لا تقوم قائمته، أو تستوي مسيرته، أو تتحقق أهدافه التنموية والتقدمية، إلا بتكامل أبنائه وبناته. الإمارات أدركت أن تمكين المرأة أساس نجاح المجتمع وصحته. 70 في المئة من طلاب الجامعات إناث، و56 في المئة من خريجي كليات تكنولوجيا المعلومات والهندسة والرياضيات إناث، و20 في المئة من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي سيدات، و30 في المئة من العاملين في السلك الدبلوماسي سيدات.

وفي الإمارات نماذج نسائية أعرفها عن قرب، أقل ما يمكن أن توصف به، هو إنها مشرّفة، ومنهن، على سبيل المثال لا الحصر، أيقونات إعلامية، مثل السيدتين شعلتي النشاط، منى المري ومنى بو سمرة، ناهيك عن تسع وزيرات، يشكلن 29 في المئة من عدد الوزراء.

وزيرات مصر الثماني، كسرن حاجز التنميط. فبعد وزيرة أو اثنتين من باب القسم على أن لدينا وزيرات، أصبح في الحكومة المصرية وزيرات ينحتن في الصخر، ويقمن بمهام وزاراتهن على خير ما يرام. والأهم من ذلك، أن المصريين بدأوا يعتادون فكرة وجود نساء في مناصب قيادية كبرى. وهذا هو مربط الفرس.

مربط الفرس في وجود النساء في مناصب كبرى وصغرى، هو توصيل الرسالة واضحة وصريحة. النساء قادرات وقادمات ومستمرات. لماذا؟ لأن هذا من قواعد وبديهيات المجتمعات الصحية والصحيحة. ولأن وجود النساء والرجال جنباً إلى جنب في صفوف العلم والمعرفة والعمل والمناصب القيادية والمهن الصغرى، وشتى مناحي الحياة، هو اعتراف بنواميس الطبيعة، وبديهيات نهوض المجتمعات.

المجتمعات، سواء كانت في شهر آذار (مارس)، بزعابيبه وربيعه، أو غيره من شهور الشتاء أو الصيف أو الخريف، تحيا برجالها ونسائها. وبينما نستعد للاحتفاء بالمرأة في يومها العالمي، والمصرية في يومها المحلي، والأم أينما كانت، نقول لأنفسنا، إن من رحم المعاناة تولد الإنجازات، ومن قلب مارس نحتفي بالنساء أينما كنّ.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات