العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «جوتنا» في السنغال

    «لست ضد فرنسا ولكني مع السنغال»، بتلك الكلمات بدأ المرشح الرئاسي السنغالي الأبرز عثمان سونكو حملتة الانتخابية، التي وصفت بأنها أول حملة انتخابية تدعمها الأحزاب السياسية الأفريقية الوطنية حتى خارج السنغال.

    تناولت في دراسات علمية سابقة في إطار تخصصي في العلاقات الخليجية الأفريقية دولة السنغال التي تُصنف بأنها من الدول التي استطاعت أن تفرض نفسها نموذجاً مثالياً أثبت نجاحه على جميع الصعد سياسياً، اقتصادياً واجتماعياً، فسياسياً، السنغال دولة لم يعرف في تاريخها أن شهدت انقلابات عسكرية منذ ما يزيد على ستة عقود، أما اقتصادياً فهي اليوم مركز نقدي وتجاري واستثماري للعديد من الدول، هذا بالإضافة إلى اختيارها مقراً لكثير من المؤسسات المالية والنقدية بسبب استقرارها السياسي، أما اجتماعياً، فرغم الاختلافات العرقية والدينية في السنغال إلا أنها لم تشهد صراعا طائفياً كقريناتها الأفريقيات.

    شهدت العاصمة داكار في الأيام القليلة الماضية سباق الانتخابات الرئاسية القادمة والتي يترشح فيها خمسة مرشحين: ماكي سال، ورئيس حزب باستيف عثمان سونكو، وإدريسا سيك رئيس الوزراء السابق من عام 2002 إلى 2004، ومادكي نيانغ وزير الإسكان والشؤون الخارجية الأسبق، وإيسا سال، وماديك نيانغ اللذان يبدو أن حظوظهما قليلة إلى حد ما في هذا السباق الرئاسي الذي شهد قبل ساعات قليلة من كتابتي سطور هذا المقال سجالات عنيفة اندلعت في المقرات الانتخابية لمرشحي الرئاسة وصلت إلى درجة الاحتقان بسبب إعلان الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال نجاحه في الانتخابات الأولية قبل الوصول إلى النتائج النهائية المزمع إعلانها يوم الجمعة المقبل مما اعتبره الناخبون ومرشحوهم استهتاراً وتحدياً للإرادة الوطنية، ودفع سونكو الذي تدعمه أحزاب المعارضة إلى إطلاق دعوة عامة شديدة اللهجة قال فيها: «أدعو الشباب للاحتجاج أمام وسائل الإعلام وتحمل مسؤولية إعلان الفائز في الجولة الأولى من دون الوصول للنتائج الرسمية وأناشد المسؤولين والزعماء الدينيين دعوة الحزب الحاكم إلى التريث والتفكير».

    يبدو أن المرشح الرئاسي عثمان سونكو أو نجم أفريقيا القادم كما يطلق عليه اليوم في غرب أفريقيا أكثر المُرشحين حظوظاً بسبب برنامجه الانتخابي الذي حمل اسم «جوتنا» وتعني باللغة العربية «حان الوقت»، ويتلخص برنامج «جوتنا» الذي يقوده سونكو إلى ضرورة الفصل بين السلطات، والتخلص من العملة النقدية السيفا التي يراها استعماراً اقتصادياً فرنسياً لغرب أفريقيا عامة، والنهوض بالمرأة، ودعم قطاع الزراعة والتنمية المستدامة، والقضاء على الفساد والتهرب الضريبي خاصة أنه كان شاهد عيان على الكثير من التجاوزات المالية عندما كان يشغل منصب رئيس لواء تدقيق الضرائب وقام بتأليف كتاب حمل عنوان النفط والغاز في السنغال، وتحدث فيه عن الأخطاء في إدارة الموارد الطبيعية في السنغال ووضع بعدها كتاباً حمل عنوان «الحلول» شخّص فيه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية السنغالية.

    واليوم هو أبرز المنافسين للرئيس ماكي سال، ولكن كيف يراه المجتمع السنغالي؟ هناك جزء من النخبة الأفريقية ترى أنه يحمل إرث توماس سانكارا القائد البوركيني الخالد وبعضهم يرى أنه رجاء القارة خاصة بعد أن رفض تمويل حملته الانتخابية من عناصر خارجية واكتفى بتمويل شعبي خالص ما أكسبه أصوات السنغاليين المغتربين في الخارج.

    بحكم قربي من المشهد السياسي الأفريقي أرى أن الانتخابات السنغالية تتجه إلى نوع من التصعيد بين المتنافسين خاصة بعد توارد الأخبار بقرار سفر ماكي سال إلى باريس اليوم الخميس، وقبل يوم من إعلان نتائج الجولة الأولى التي لو حسمت لصالحه ورفضها الشعب ستتدخل القوات الأمنية لتهدئة الشارع ولو بالقوة.

    وأما إذا جاءت النتائج في صالح المعارضة، فالرئيس لا يرغب بالذهاب لجولة ثانية لأنه حتماً سيخسرها كما صرح بذلك بسبب دعم أحزاب المعارضة لمرشحهم الأقوى، ومن ناحية أخرى، تدرك أحزاب المعارضة أن باريس لن تدعم شخصية سياسية تعارض سياستها في أفريقيا، وبالتالي ستتدخل في الانتخابات وهذا ما حدث مؤخراً، ولكن يبقى السؤال هنا هل هناك استراتيجية لكف يد فرنسا عن التدخل في نتائج الانتخابات النهائية؟

    ولو وصلت المعارضة للسلطة ما هي آلية التعامل مع باريس؟ وكيف ستنفذ القيادة السياسية برنامجها الرئيسي؟ وهل سيكون للقوى الصاعدة في الغرب الأفريقي دور لدعم القيادات السياسية الشابة الراغبة في كسر طوق الاحتكار الفرنسي؟

    لا أتوقع أن تنزلق الأمور في السنغال إلى فوضى سياسية عارمة كما يحاول البعض تصويرها، فمصالح القوى الدولية في السنغال لا يمكن تجاهلها ولأجلها لن يسمح بتهديدها، ومن ناحية أخرى يرفع الشعب السنغالي يومياً بمختلف انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية شعار باللغة الولوفية الرائعة يقول: «جبنا لينيبكو بوكو نيبوجج» وتعني باللغة العربية «حان الوقت ليتشارك الناس في ما بينهم».

     

     

    طباعة Email