العداء للسامية أم تدليل إسرائيل؟

التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» بشأن سعيه لاستصدار قوانين تساوي بين العداء للسامية والعداء للصهيونية وتحظر العداء لإسرائيل، مرّت مرور الكرام، برغم ما تنطوي عليه من خلط للأوراق، وجهل بالتاريخ، ذلك أن دوائر المعارف الغربية لا تقصر السامية على اليهود وحدهم، بل تشير إلى أن الموطن الأصلي للساميين كان في بابل وأرمينيا والجزيرة العربية، وبذلك التعريف يندرج العرب في سياق الشعوب السامية.

أما الصهيونية فهي حركة سياسية وأيديولوجية يهودية، ظهرت لمواجهة موجات العداء لليهود في الدول الأوروبية، وتضمنت الدعوة لهجرة يهود العالم لما يسمى أرض الأجداد في فلسطين.

ولا تعدو المساواة بين الصهيونية والسامية سوى محاولة إظهار كل من يعترض على إرهاب السلطة الإسرائيلية الصهيونية بأنه معادٍ للسامية، وهي لعبة ابتزاز شائعة، تشهرها إسرائيل في وجه كل المحتجين على الوحشية التي تمارسها بشكل شبه يومي ضد الشعب الفلسطيني، وليس أدل على ذلك من الحملات المنظمة ضد رئيس حزب العمال البريطاني «جيرمي كوربن»، لا لشيء سوى دعمه منذ تسلم رئاسة الحزب في العام 2015، للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ليس سراً أن تلك التصريحات تأتي في سياق السعي اليائس للرئيس الفرنسي لجلب تأييد اليهود الفرنسيين الذين يبلغ تعدادهم نحو 550 ألف نسمة، بينهم بالقطع من يعادون الصهيونية والسياسات الإسرائيلية، بعد أن دخلت تظاهرات السترات الصفراء التي تطالبه بالرحيل عن السلطة، شهرها الثالث، ما يجعل نزوعه نحو فترة رئاسية ثانية أمراً يكتنفه الغموض، فضلاً عن أن تلك التصريحات إن لم تكن جاءت بطلب إسرائيلي، فهي بالقطع تقدم دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» الذي يتخبط بدوره في معاركه الداخلية والخارجية، بهدف ضمان بقائه في الحكم، مع اقتراب موعد إجراء انتخابات الكنيست في التاسع من أبريل المقبل.

ويؤكد هذا التخبط ما نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية من هجوم حاد عليه لإقدامه على التحالف مع حزب «القوة اليهودية» المعادي للعرب الفلسطينيين، الذي وصفته الصحيفة بأنه تحالف تتصاعد منه رائحة كريهة مقرفة، فيما وصفت مجموعة الضغط اليهودية الأمريكية الشهيرة «إيباك» الحزب نفسه بأنه «حزب عنصري بغيض».

وهكذا في سياق حملته الانتخابية وسعيه المستميت للبقاء في السلطة والترتيبات التي يقوم بها استعداداً للملاحقات القضائية ضده هو وزوجته وابنه بتهم الفساد المالي، عاد نتنياهو من مؤتمر وارسو ليخلق كما تقول الصحيفة الإسرائيلية شرخاً وأزمة ثقة عميقة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة، بعد احتجاجهم على تحالفاته الانتخابية مع القوى التي تؤكد عنصريته وعنصرية إسرائيل.

وكان من اللافت للنظر أن الاعتراضات على تصريحات «ماكرون» قد جاءت من قلب فرنسا. ووصف الصحفي في صحيفة لوموند ديبلوماتيك «دومينك فيدال» مشروع قانون يجرم معاداة الصهيونية بأنه جهل بالتاريخ وغباء..

وأضاف أنه باسم هذا المنطق الجاهل بالتاريخ يمكن اعتبار ملايين اليهود الذين يرفضون العيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة، معادين للسامية، وباسم هذا المنطق الجاهل بالتاريخ، نطلق عملية قمع الحريات، فإذا أقرّ مثل هذا القانون سيمكن للصهيونيين المطالبة بمنع معاداة الصهيونية، وللشيوعيين أن يطالبوا بمنع معاداة الشيوعية، والديجوليين منع معاداة الديجولية..

باختصار نحن على منحدر استبدادي. واعترض كذلك رئيس الجمعية العامة الفرنسية «ريشار فيران» على مقترح مشروع القانون، وقال إن الترسانة التشريعية الفرنسية مسلحة بما يكفي لمكافحة معاداة السامية.

في حوار له مع قناة روسيا اليوم، أكد وزير الخارجية العماني «يوسف بن علوي» أن سلطنة عمان أسمعت نتنياهو موقفاً صريحاً وقوياً يتمثل في عدم إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل إلا حالما تقوم الدولة الفلسطينية. ولا يبعد عن هذا المعنى، استقبال العاهل السعودي الملك سلمان للرئيس الفلسطيني محمود عباس أثناء انعقاد مؤتمر وارسو.

ومعنى الكلام أن ما يروج له نتنياهو من تغير الموقف الخليجي من القضية الفلسطينية هو محض أكاذيب، وأن سعيه المحموم بدعم أمريكي لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية وتشجيع التمرد عليها، والسطو على أموالها، وإفشال جهود المصالحة، وتسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، والوحشية في مواجهة مظاهرات العودة السلمية، لن يؤسس سوى لحقيقة واحدة، هي تمسك الشعب الفلسطيني والدول العربية معه بدولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة في يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، طبقاً للقرارات الدولية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات