العرب وأوروبا.. تصحيح الأخطاء يفتح أبواب الشراكة

أن تنعقد القمة العربية- الأوروبية في عروس سيناء «شرم الشيخ»، هو أمر، في حد ذاته، يعني الكثير. وهو الرسالة الأولى التي تقول إن رهان الإرهاب ومن يدعمونه على تحويل سيناء إلى ملاذ لعصابات الإرهاب، ونقطة تهديد لدول المنطقة، قد انتهى إلى الأبد.

وأن دول العالم التي تركت مصر تحارب معركتها بمفردها في أصعب الظروف، تعرف الآن أن مصر كانت على حق حين أسقطت حكم الإخوان الفاشي، وأنها كانت أيضاً على حق حين تصدت لمحاولات جماعات الإرهاب، وحمت مصر من أن تسقط في بحور الفوضى، وكان تحالفها مع الإمارات والسعودية صمام أمان ضد كل قوى الشر في المنطقة.

تنعقد القمة في ظروف بالغة الأهمية، والطرفان «العربي والأوروبي»، يواجه كل منهما تحديات هائلة، والتعاون بين الجانبين ضروري، والفهم المشترك لطبيعة المخاطر ولوسائل مواجهتها، هو الطريق الذي ينبغي أن يسعى الجميع إليه، وأن يعبروا من خلاله إلى بر الأمان.

وإذا كان العالم العربي يمر منذ سنوات بواحدة من أصعب الفترات التاريخية التي عرفها، فإن أوروبا أيضاً تعيش ظروفاً صعبة.. الاتحاد الذي يجمع دولها تمزقه الخلافات، الحرب التجارية التي تندلع بين القوى الكبرى تهدد اقتصادها.

والأزمات الداخلية تستنزف جزءاً من قواها، وحلف «الناتو» لا يدخل في صلب سياسة الإدارة الأمريكية الحالية، والخلاف بين واشنطن وموسكو حول الأسلحة النووية المتوسطة، يجعل من أوروبا رهينة، بينما اليمين يزحف في الداخل، ومعه التطرف والعنصرية، وهو ما يتطلب من قوى الاعتدال أن تحتشد لإنقاذ الموقف.

وما يهمنا في العالم العربي، هو أن نصل مع أوروبا إلى نقاط اتفاق حول المخاطر والتحديات، تكون السبيل للتعاون المشترك في مختلف المجالات، ولا شك أن تجربة السنوات القليلة الماضية، قد أوصلت إلى أوروبا عدة رسائل، لم يعد ممكناً لها أن تتجاهلها.

** تدرك أوروبا الآن – أكثر من أي وقت مضى – أنها ليست بعيدة عن مخاطر الإرهاب، وأن وهم حصار جماعات الإرهاب بعيداً عن أي دولة لم يعد قائماً، ضرب الإرهاب في عواصم أوروبا، وذهب أبناؤها لينضموا إلى الدواعش، وعادوا ليتحولوا لخلايا نائمة، أو ظلوا في الخارج «أسرى أو طلقاء»، يمثلون خطراً داهماً على من ظنوا أن نيران هذا الوباء لن تطرق أبوابهم.

** وتدرك أوروبا الآن أن عليها أن تتحمل مسؤولياتها في قضية الهجرة، وأن تستخلص من التجربة أن استقرار الأوضاع في دول الشرق الأوسط والعالم العربي، هو ما يوقف الهجرة من هذه المناطق، وأن زرع التنمية في المنطقة وما حولها في أفريقيا وآسيا، هو الذي يخلق فرص العيش الكريم لسكان هذه المناطق في بلادهم.

** وتدرك أوروبا الآن، خطورة الأوضاع العالمية، ومخاطر عودة الحرب الباردة، وتعلم أنها في عين العاصفة النووية، وفي قلب الأزمة الاقتصادية، التي تتزايد مع حروب التجارة، ومع مخاطر انهيار العولمة التجارية، وتفهم جيداً أن التعاون المشترك بين أوروبا والعالم العربي، يمكن أن يشكل جداراً حامياً للجانبين من تقلبات اقتصادية محتملة، وأن يكون عاملاً لاستمرار جهود التنمية لصالح الجانبين العربي والأوروبي.

تدرك أوروبا ذلك جيداً، وتفهم الحاجة للتعاون العربي – الأوروبي، وتعرف حجم التحديات التي تواجه الطرفين، وتواجه العالم في الفترة المقبلة، وهو ما يتطلب رؤية واضحة للتعامل مع هذه التحديات، وتتخلص من العوائق التي تؤثر بالسلب في الموقف الأوروبي، وتحد من قدرته على أن يكون قوة فاعلة بالقدر المطلوب، لمواجهة هذه الفترة الصعبة في تاريخ المنطقة والعالم.

** تحتاج أوروبا للتعامل في قضية الإرهاب، انطلاقاً من أن الإرهاب ملة واحدة، وأن تسقط كل دولها للأبد الرهان الخائب على أن هناك إرهاباً يمكن أن يكون مستأنساً، أو يتوقف عند مجرد أن يكون أداة في يد آخرين!!

لم يعد ممكناً أن يستمر منح بعض الجماعات الإرهابية، وفي مقدمها الجماعة الأم لكل عصابات الإرهاب «الإخوان»، هذه المساحة للتحرك في عواصم أوروبا، وفي اتخاذها مقرات للتآمر على الدول العربية.

ولم يعد ممكناً الاستمرار في تجاهل مخاطر دول تحتضن الإرهاب وترعاه وتهدد العالم العربي، كما تفعل إيران، تحت حكم الأئمة والحرس الثوري، فالإرهاب هو الإرهاب، والمصالح الضيقة لا ينبغي أن تحجب المواقف الحاكمة والحاسمة المطلوبة من الجميع في هذه المعركة.

** إن التعاون العربي – الأوروبي، ينبغي أن يتضمن دوراً فاعلاً ومشتركاً، من أجل الحل السياسي، الذي يقضي على عصابات الإرهاب، ويعيد بناء الدول في سوريا وليبيا، ويؤازر الجهد العربي لاستعادة الشرعية في اليمن الشقيق، وضرب محاولة إيران لخلق مركز لنشر الفتنة وضرب الاستقرار في المنطقة كلها.

** أوروبا القادرة على بناء شراكة حقيقية مع العالم العربي، هي أوروبا القادرة على تصحيح موقفها، كما فعلت مع مصر.. حيث انتقلت من السلبية بعد إسقاط حكم الإخوان، إلى الموقف الإيجابي مع صمود مصر وحربها الضارية ضد الإرهاب، وجهدها المتواصل لبناء الدولة الحديثة.

والمطلوب هنا، هو موقف داعم للجهد العربي لإنقاذ اليمن من براثن الإرهاب الإيراني، وموقف لا يترك سوريا نهباً للصراعات أو لمحاولات فرض النفوذ من إيران وتركيا، أو لترك الباب مفتوحاً لعودة الدواعش بلافتات أخرى وأثواب جديدة، يتم إعدادها بإشراف تركيا وأموال قطر المنهوبة!!

ولعل أوروبا تنتبه لخطورة المحاولات التي تتم الآن برعاية تركيا، وبتمويل قطري، لنقل عصابات الإرهاب الإخواني – الداعشي من سوريا إلى ليبيا، ولعل الرد يكون بالتراجع عن خطأ مستمر منذ سنوات، ودعم الجيش الليبي، وإمداده بالسلاح المطلوب، لاستكمال مهمته في استعادة الدولة، وضرب عصابات الإرهاب التي تهدد المنطقة كلها.

المطلوب من أوروبا كثير، والمطلوب من العرب أكثر، ولكي نتجاوز أخطاء الماضي، ولكي نبني شراكة حقيقية تواجه المخاطر التي تهدد الجانبين، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الذي يحتاجه الطرفان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات