على طريق الحرية الاقتصادية

إن تجار السلع والخامات منذ قديم الزمان كانوا يجوبون الصحاري والقفار عبر القوافل والركبان ويبحرون عبر المحيطات، ينقلون للناس البضائع ويتبادلون المنتجات الزراعية والحيوانية والمياه والمعادن وغيرها، ومع مرور الأيام تطورت أساليب التجارة والتبادل بين الناس، وظهرت العملات مروراً بالذهب والفضة ووصولاً إلى العملات الورقية، وها هي الأساليب ما زالت تتطور ولكن الأساس ثابت وهو تبادل المنافع بين الناس.

إن من أهم ما تسعى إليه الدول جاهدة بكل ما أوتيت من ملكات وموارد أن يكون لها مستقبل اقتصادي مشرق يضمن المعيشة الكريمة لأبناء هذه الدول، وذلك لا يتحقق إلا بالاستفادة من كل ما هو متاح من موارد بشرية ومالية فيها، وبتنمية القطاعات الأكثر تأثيراً على اقتصاد الدول وهي التجارة والصناعة، وما يرتبط بهما من قطاعات حيوية كالنقل والسياحة والبناء وكل ما هو جالب للاستثمارات في هذه الدول.

ولتحقيق الرؤى الاقتصادية وجب الالتفات إلى نقاط القوة المؤثرة في اقتصاد الدول ومن ضمنها الموارد البشرية، ومع ظهور العديد من التقنيات فقد باتت العديد من الوظائف لها أهمية كبرى أكثر من ذي قبل، فهناك شرائح ستسهم بالكثير في الجوانب والقطاعات الاقتصادية المستقبلية، وستؤثر بشكل ملاحظ على ملامح الاقتصاد في العالم.

شريحة المبتكرين، إن الابتكار يمثل التوجه السائد في العالم حالياً، ليس في الاقتصاد فحسب، بل هو متطلب عالمي في جميع القطاعات، وتنفق الدول عليه عشرات الملايين لتطوير المنتجات، والخدمات، والآلات والمعدات، والبرامج الحاسوبية، وطرق التعلم وغيرها من القطاعات، من أجل ضمان البقاء ضمن المنافسة العالمية وعدم التخلف عن الركب، ومن أهم آثار الابتكار هو تأثيره على القطاع الاقتصادي، فنرى المنافسة الشديدة في الأسواق العالمية على أفضل المنتجات المبتكرة والهواتف والحواسيب والأجهزة اللوحية وغيرها، مثل هذه الابتكارات أشعلت المنافسة في العالم.

فعلى سبيل المثال شركة هواوي الصينية أصبحت من أكثر الشركات ابتكاراً في هذا القطاع، وفي وقت قصير جداً لحقت بالركب الأمريكي في هذه الصناعة، ما فتح الباب للعديد من المشكلات التي تصدرت عناوين الصحف خلال الأيام الماضية، وآخرها مشكلة القبض على ابنة مؤسس الشركة، والتي أخذت أبعاداً سياسية وتراشقاً إعلامياً بين الصين من جهة والولايات المتحدة وكندا من جهة.

هذا الاهتمام بهذا القطاع سيجعل المبتكرين حول العالم تحت مجهر الحكومات والمؤسسات. إن استقطاب هذه الفئة ومعاملتهم بشكل خاص هو أمر مهم، من حيث توفير الفرص وتقديم الإقامات الطويلة أو التجنيس إذا لزم الأمر، إضافة إلى الاستثمار في المبتكرين من مواطني الدولة نفسها.

شريحة التجار ورواد الأعمال، إن رجال الأعمال والتجار الكبار يسهمون في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في دولهم، فهم قادة القطاع الخاص الذي يوفر العديد من المنتجات والخدمات والفرص لسكان الدولة، فكما نعلم الحكومات غير قادرة على تلبية جميع الاحتياجات لمواطنيها من ملبس ومأكل ومسكن ووظائف، لذا يعمل القطاع الخاص على سد هذه الفجوة عن طريق المؤسسات والشركات والمصانع في القطاع الخاص.

أما بالنسبة لرواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فهم الفئة الكبرى والأكثر أهمية، وبحسب بوابة حكومة الإمارات فإن هذه المشاريع تمثل ما نسبته 94% من إجمالي الشركات العاملة في دولة الإمارات، والقوى العاملة فيها تمثل 86% من إجمالي القوى العاملة في القطاع الخاص، ومع التقدم الذي نلمسه في طرق تقديم المنتجات والخدمات وجب التنبه إلى أهمية دعم شريحة رواد الأعمال لما لهم من أثر بالغ على الاقتصاد.

شريحة الطلاب في قسمي الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، إن طلاب المدارس والجامعات الذين لا يزالون الآن على مقاعد الدراسة هم الثروة الحقيقية، وهم الثورة القادمة في المجال الاقتصادي، وخاصةً في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والهندسة بكل أقسامها، إن هؤلاء الطلبة هم جيل المطورين والمبرمجين والصناع ممن سيستخدمون الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات الحياتية والوظيفية، ستكون أفكارهم مختلفة، وتطلعاتهم وطموحاتهم كبيرة إذا ما قيست بطموحاتنا الآن، إن الاهتمام بهذا الجيل وتوفير البنية التحتية لمساعدتهم والبيئة الخصبة لكي ينطلقوا في إبداعاتهم أصبح أولوية لا يمكن أن نغفل عنها أو نؤجلها، إن تهيئة الجامعات تحديداً لهؤلاء الطلبة سيجعلهم خلاقين ومبدعين، ما سينعكس عليهم أولاً وعلى دولهم ومحيطهم ثانياً.

إن هذه الشرائح الثلاث من وجهة نظرنا هي التي ستقود الاقتصاد خلال السنوات المقبلة مع عدم إغفال أهمية الأنظمة الحكومية والدعم الكبير الذي ستقدمه الحكومات للوصول إلى هذه الأهداف، وإن توحّد هذه الجهود وتضافرها جميعاً سيكون له الأثر الكبير على مستقبل هذه الدول.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات