العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    رحيل سانغاريس

    بدعوة كريمة من المنبر الصحفي الأفريقي العالمي، قمت بإلقاء ندوة حول مفاوضات أفريقيا الوسطى التي قادتها الخرطوم مؤخراً، وأسعدني في تلك الندوة مشاركة الوزير عطا المنان الذي قاد وفد تلك المفاوضات التي حملت ظروفها وتداول حديث أطرافها الكثير الذي لم يُعلن.

    تسعى الخرطوم منذ فترة ليست بالقريبة إلى إنهاء حالة عدم الاستقرار في أفريقيا الوسطى، ذلك البلد الذي تتنازع عليه قوى داخلية أفقدته صوابه وقوى دولية قضت على ما تبقى من مستقبل أبنائه، ويرجع حرص السودان على دعم الاستقرار في بانغي إلى الحدود المشتركة، تلك الحدود التي ساعدت الأطراف المتناحرة على التسلل للأراضي السودانية وإيجاد دعم لها من بعض القوى السودانية المعارضة في دارفور، ما أدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار.

    وأكدت الأمم المتحدة أنه إذا لم يتم السيطرة على ما يحدث في أفريقيا الوسطى فستندلع أزمة إقليمية لها ما بعدها، وليست الخرطوم وحدها في ذلك الحرص بل تساندها أنجمينا التي ذاقت هي الأخرى من ويلات التدفق البشري القادم من بانغي إلى أراضيها.

    ومن الجدير بالذكر أنني في إحدى المناسبات العملية التقيت بالرئيس التشادي أدريس ديبي في عام 2016 وطرحت عليه السؤال التالي: «سيدي الرئيس هناك مثل أفريقي هوساوي قديم يقول: مياه إطفاء الحرائق ليست بالضرورة أن تكون نظيفة، سؤالي هو: ما الدور الذي قامت به تشاد في إخماد الحرائق التي اندلعت بين الأنتي بلكا والسيلكا في أفريقيا الوسطى؟ ولي في إجابة الرئيس مقال قادم.

    تداولت النخب الأفريقية تحفظ باريس على حضور ممثل موسكو أندريه كيمارسكي مدير إدارة أفريقيا في وزارة الخارجية الروسية لتلك المفاوضات، ويعود سبب ذلك التحفظ إلى النشاط الروسي في أفريقيا الوسطى، أضف إلى ذلك ظهور قنوات إعلامية في أفريقيا ممولة من موسكو تناهض الوجود الفرنسي في أفريقيا، ردت عليها وزيرة الدفاع الفرنسي فلورنس بارلي بتصريح اتهمت فيه موسكو بقيادة حملات تضليل ضد فرنسا في أفريقيا، والذي اعتبرته باريس تحدياً لوجودها.

    في الوقت الذي كانت القيادة السياسية في بانغي تنظر إلى انتهاء عملية سانغاريس الفرنسية الداعمة لقوات حفظ السلام في أفريقيا الوسطى بأنها ستضاعف انعدام الأمن، وجدت موسكو في ذلك الخروج الفرنسي فرصة ثمينة للدخول إلى قلب أفريقيا جنوب الصحراء وترسيخ أقدامها، وكان لها ذلك.

    فالمشروع الروسي في أفريقيا الوسطى قام على تكثيف التعاون العسكري والصناعي، ومنح المساعدات، وإلغاء الديون، والدبلوماسية التي أوصلت موسكو إلى إبرام اتفاقية عسكرية أمنية مع الرئيس فوستن توديرا تنص على إرسال مستشارين عسكريين روس إلى بانغي للمشاركة في تدريب القوات المسلحة.

    واستفادت موسكو من رفع الحصار الجزئي على أفريقيا الوسطى وقدمت لها الأسلحة لتجهيز قوات الأمن الداخلي، وحلت القوات الخاصة الروسية محل القوات الرواندية لضمان أمن الرئيس فوستن، وتم تكوين كتيبة عسكرية من المدربين الروس، وأمام كل ذلك تنتظر باريس منذ حينها ردة فعل أمريكية تجاه نشاط موسكو المتصاعد في أفريقيا، وبدأ الإعلام الفرنسي إرسال رسائله لواشنطن، يقول في إحداها: «المستشارون العسكريون الروس في بانغي يتصرفون كقناصل محترفين».

    اتخذت السياسة الروسية بعداً جديداً في وسط الغرب الأفريقي، وتضاعف موسكو التعاون والدعم العسكري عن طريق «روسوبورون إكسبورت»، وهي وكالة الوساطة الحكومية الوحيدة للصادرات والواردات الروسية من المنتجات والتقنيات والخدمات ذات الصلة بالدفاع المزدوج، وهي مكلفة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال التعاون العسكري التقني بين روسيا والدول الأجنبية.

    ومن المفارقات أن من أهم الشركات التي تتعاون مع «روسوبورون» هي «تاليس أوبترونيكس» الفرنسية، وهذا هو المحك الحقيقي أمام باريس قبل موسكو، فهل سيتباين التعاون بينهما أم سيصل الطرفان إلى نقطة توافق يتقاسمان فيها المصالح في أفريقيا الوسطى؟

    أرى أن المفاوضات التي جرت في الخرطوم تعتريها بعض العقبات الحقيقية، فخشية باريس من الوجود الروسي في مستعمراتها الأفريقية لن تلغيها طمأنة الخرطوم التي تنظر إليها باريس بحذر بعد التقارب الروسي السوداني الأخير، وعليه سيكون هناك تعاون فرنسي أمريكي يسعى إلى كبح جماح التصاعد الروسي في الوسط والغرب الأفريقي، كما أن هناك نقطة تعثرت فيها المفاوضات السابقة وقد تتعثر فيها المفاوضات الأخيرة، وهي الطلب الذي يتقدم به قادة الميليشيا بضرورة العفو عنهم وعن أتباعهم.

    وترى باريس والقوى الدولية أن القبول بذلك هو قتل للمفاوضات قبل بدايتها، وفي المقابل يساند الرئيس فوستن تواديرا تلك الرؤية الدولية، خاصة أنه يعارض أية وسيلة تسيء لمصداقيته، وبالتالي لن تترك تلك الميليشيا السلاح، ما يرجح عودة اندلاع الصراع، وإدخال أفريقيا الوسطى في أتون حرب مقبلة.

     

     

    طباعة Email