قمة الإلهام

من الصعب وصفها بـ«القمة»، فهي «الفكر». ومن غير المناسب نعتها بـ«المؤتمر»، فهي «إلهام». ومن المفضل عدم اعتبارها «ملتقى للحكوميين والمسؤولين والمتخصصين»، لكن أحسن التعامل معها من منطلق كونها نقطة انطلاق للأفكار، ومنصة تبادل للمقترحات الخارجة لتوها من الصندوق.

صندوق التخطيط للمستقبل، والتدبير لما هو آت، والاستعداد بالمعرفة، والإدراك للإمكانات المتاحة، وفي الوقت نفسه المهارات المتوجب اكتسابها في ضوء الأطراف الضالعة في أي مجتمع حيث: الحكومات، والمجتمعات المدنية، والمنظمات الأممية، والخبراء، والمتخصصين وبالطبع المواطنين.

مواطنو الدول الـ140 الذين شاركوا في أعمال «القمة العالمية للحكومات» التي انعقدت في دبي الأسبوع الماضي وعددهم زاد على أربعة آلاف مواطن ومواطنة بين مسؤولين وخبراء ومتابعين ومهتمين وجدوا في أعمال القمة قمة الإلهام ومنتهى الاهتمام العملي بالمستقبل القريب والبعيد.

بعد ما أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي في اختتام فعاليات القمة عبر كلماته «اختتمنا اليوم أعمال القمة العالمية للحكومات، اتفاقيات وقعت، مبادرات أُطلَقت، قناعات تغيّرت، والتزامات أُعلنت.. هكذا تساهم القمة في صنع المستقبل وإعادة صياغة العمل الحكومي في العالم»، أيقن الحضور أن هذه المشاعر الكثيرة والخبرات الفريدة التي اكتسبوها على مدار أيام القمة الثلاثة ما هي إلا خلاصة فكر جديد يسفر عن توقيع اتفاقات غير تقليدية، وإطلاق مبادرات غير متوقعة، وتغيير قناعات ظلت عصية على الحلحلة فما بالك بالتعديل، والالتزام بالتزامات من شأنها أن تغير من وجه المستقبل الذي يخشاه كثيرون وتهابه المليارات.

لكن هذه المليارات التي تضرب أخماساً في أسداس حول مصير وظائف المستقبل، وشكل المدن، ومصير الكتب، وآفاق التغيير، ومدى قدرة إنسان اليوم على التعايش والتعامل والتفاعل مع ما هو آت يمكنها أن تستشرف رؤية واضحة من خلال هذه القمة.

هذه الرؤية تبلورها كلمات معالي محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل رئيس القمة العالمية للحكومات عن القمة التي «تحولت إلى وجهة عالمية للباحثين عن حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه الحكومات، ومختبر للسياسات المستقبلية، ومنصة لأفضل الممارسات وبناء الشراكات والتعاون الدولي في بناء توجهات حكومات المستقبل الساعية لخدمة سبعة مليارات إنسان».

توجهات حكومات المستقبل الساعية لخدمة سبعة مليارات إنسان عليها أن تضع مؤشرات السعادة نصب أعينها. لذا فإن إطلاق التقرير الصادر عن مجلس السعادة العالمي، والذي تأسس في الإمارات العربية المتحدة ضمن أعمال القمة أرسل العديد من الرسائل.

فالمسألة ليست مجرد رسم ابتسامة قد تدل على السعادة على وجوه المواطنين، أو ملء جيوب المواطنين بالمال لتمكينهم من الشراء. لكن تخبرنا المدير العام لدبي الذكية الدكتورة عائشة بن بشر أن التقرير السنوي إطار عمل يمكن فعلاً للمدن والحكومات والقطاعات الخاصة أن تستفيد منه وتطبقه على أرض الواقع من أجل سعادة المواطنين. هذه السعادة تدخل مكوناً رئيسياً في تفاصيل الحياة الرئيسية الست، حيث: السعادة والتعليم، السعادة في بيئة العمل، والسعادة الشخصية، والسعادة والصحة، والمدن السعيدة، وقياس السعادة.

ومن السعادة إلى القلق، ومن منا ينكر أن الجميع قلق في شأن مستقبل الوظائف وسوق العمل. هنا وهناك يتحدثون عن أن 30 في المئة، وأحياناً 40 في المئة، ويذهب البعض إلى القول إن 60 و70 في المئة من الوظائف الموجودة حالياً ستختفي بعد عشرة أو 15 أو 20 عاماً. لكن هنا في قمة الحكومات، يأتي الحديث علمياً عملياً متأنياً، ولا يخلو من لمحات إنسانية.

الإنسان في القلب من القمة والقائمين على القمة لأن المستقبل والحكومات والقمم دون الإنسان. صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حدثنا عن جهود الإمارات لإلهام حكومات العالم لتوظيف الابتكار من أجل إيجاد حلول قادرة على إثراء حياة الإنسان والارتقاء بالمجتمعات. والحكومات الخلاقة هي تلك التي توظف التكنولوجيا وتجعل منها ابتكارات تخدم الناس.

ولأن البعض صار يعتقد أن الترويج للابتكار والاهتمام بتوفير بيئات تساعد عليه هو هدف في حد ذاته، فإن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن الابتكار بوصفه «محركاً لمسيرة البشرية، ومحفزاً لتطوير القطاعات الحيوية، ولغة عالمية يتشارك أصحابها الشغف بتطوير التجارب والأدوات والحلول للتحديات» يغير أسلوب الفكر ويعدل مسار الكثيرين.

التكنولوجيا يجب أن تكون أداءً للمساعدة وليس للإلغاء أو الإقصاء. والابتكار موهبة وملكة هدفها تحسين حياة البشر وأداء الحكومات وذكاء المدن، وليس هدفاً في حد ذاته لضمه إلى قوائم الابتكارات المسجلة.

هي قمة إلهام فعلاً لا قولاً. فعالياتها تفتح الآفاق وتفجر الأفكار وتسلط الضوء على جوانب ربما تغيب عن البعض في زحام الحياة، فمن مبادرات أمل تدحض الإرهاب وتجهض التطرف، إلى وزراء خرجوا من صندوق الأفكار التقليدية وقدموا تجارب رائدة تحسّن من حياة المواطنين، إلى تصورات استشرافية لحكومات المستقبل وشعوب المستقبل والمستقبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات