نحارب الإرهاب ككل بلا استثناء

عندما أصدر الرئيس الأمريكي ترامب قراره بالانسحاب من سوريا، كان المبرر لديه هو أن الهزيمة النهائية قد لحقت بتنظيم داعش، ولم يعد هناك مبرر لوجود قوات أمريكية في سوريا.

ونتيجة لمعارضة داخلية من جنرالات أمريكا، ومن أجهزة الأمن ومع استقالة وزير الدفاع السابق ماتيس، بالإضافة لمعارضة سياسية رأت أن الانسحاب الأمريكي يعني الإقرار بالهزيمة أمام روسيا. نتيجة كل ذلك كانت هناك مراجعة لم تتخل عن فكرة الانسحاب، وإن كانت قد أعطت مهلة لاستكمال المهمة التي عادت واعترفت بأنها لم تتم حتى بالنسبة للقضاء على داعش.

الآن يقال إن بقايا الدواعش أصبحوا محصورين في أقل من كيلو متر واحد وأن القضاء عليهم مسألة محسومة، وأن هناك تقديرات أخرى مغايرة وحديث عن مناطق أخرى ما زالت تحت سيطرة الدواعش.. إلا أن الأسئلة الأهم هي:

أين ذهبت آلاف الدواعش وكيف تبخروا خلال أسابيع فلم يعد منهم إلا بضع مئات يحاصرهم الأكراد ومثلهم من الأسرى الذين كانت بلادهم الأوروبية ترفض استقبالهم؟

ثم هل يعني سقوط دولة الخلافة المزعومة التي أقامها الدواعش أن هذا الإرهاب قد انتهى، وأن المعركة ضده قد تم حسمها؟! أم أن الطريق مازال طويلاً حتى نقول ذلك؟!

بالقطع ستظل هناك أعداد من الدواعش في سوريا والعراق تتحول إلى خلايا نائمة تقول التقارير إنها يمكن أن تتحول إلى خطر حقيقي إذا تغيرت الظروف، لكن الأخطر هو الآلاف الذين غادروا ميادين القتال في سوريا والعراق إلى ملاذات آمنة عبر الحدود التركية التي جاءوا منها وتحت رعاية قوى مازالت تريد استخدامهم لتنفيذ مخططاتهم في المنطقة!!

ولعلنا هنا نتذكر حديث الرئيس التركي أردوغان الذي أشار فيه إلى انتقال الدواعش إلى مناطق أخرى ذكر من بينها «ربما من باب التهديد» شبه جزيرة سيناء!! ولعلنا لا نغفل أن السفن التركية التي تم ضبطها وهي تنقل السلاح إلى سواحل ليبيا، ليست بعيدة عن سفن تركية أخرى نقلت المسلحين إلى هناك، ولا عن شركات طيران خاصة تابعة لتنظيم الإخوان كانت مهمتها الأساسية هي نقل السلاح والإرهابيين بين ليبيا وتركيا بدعم وتمويل قطريين!

والأخطر فيما تشهده الساحة الليبية بالذات أن سقوط دولة الخلافة الداعشية المزعومة التي أقامها البغدادي، فتح الباب لتحالفات جديدة وخطيرة بين جماعات الإرهاب لقد كان الخلاف بين «القاعدة» و«داعش» هو رفض «القاعدة» لمشروع إعلان دولة الإرهاب التي أقامها البغدادي على أساس أن ذلك يجعل منها هدفاً يسهل القضاء عليه، بينما كان الدواعش يرون أن تجسيد الفكرة في دولة تحمل اسم الخلافة الإسلامية سوف يكون عامل جذب للشباب المغرر به، وهو ما حدث في البداية قبل أن ينتبه العالم وتجد الدولة المزعومة نهايتها الحتمية.

سقوط دولة «داعش» يعيد لتنظيم «القاعدة» مكانته التي اهتزت في سوق الإرهاب، والخطير هنا أن الساحة الليبية تشهد رعاية جماعة «الإخوان» لتحالف يضمها مع «القاعدة» و«الدواعش» معاً.. ومع الدعم التركي القطري يتم التنسيق مع روافد الإرهاب في جنوب ليبيا ومنطقة الصحراء.

الشواهد كلها تقول إن أمامنا وأمام العالم كله معركة طويلة ومعقدة لضرب الإرهاب تقتضي أن يوحّد العالم جهوده وأن يضع في اعتباره اعتبارات عدة أهمها:

** إن الإرهاب ملة واحدة.. وأنه لا معنى للحديث عن حرب حقيقية ضد الدواعش والقاعدة من جانب الذين مازالوا يوفرون الحماية والدعم للإخوان، والذين يرفضون إدراج الإخوان كجماعة إرهابية ويتعامون عن الحقيقة الأساسية التي تقول إن الحديث عن «إرهاب معتدل» هو وهم روج له من يعرفون جيداً أن الطريق إلى داعش بدأ من عند البنا وسيد قطب.

** عندما نؤكد أن الإرهاب ملة واحدة، فإن هذا لا يعني فقط أن ندرك أن ما انتهى بداعش قد بدأ عند الإخوان، ولكن أيضاً أن ندرك «ويدرك العالم كله» أننا لن نستطيع الاختيار بين إرهاب وإرهاب، أو استبدال إرهاب بآخر (!!) وإنما الحرب ضد هذا الوباء لا بد أن تكون شاملة تعلو فيها المبادئ على المصالح الضيقة.

نعم.. مطلوب أن نواجه الإرهاب الإخواني – الداعشي حتى نستأصله من أرضنا ومن العالم، ولن يتم ذلك إلا بإيقاف كل دعم مادي أو معنوي لهذا الإرهاب، والتخلي عن الرهان عليه من جانب قوى صغيرة «مثل حكام قطر» تتصور أن تحالفها معه سيجعلها أكبر!! أو قوى إقليمية تتوهم أن طريقها لاستعادة خلافتها الزائلة أو تحقيق أطماعها يمكن أن يتم بالاعتماد على هذه الجماعات!!

على الجانب الآخر. فإن الإرهاب الذي تصدره طهران للعالم وتهدد به دول الجوار لم يعد ممكناً أن يستمر. والأمر هنا لا يتوقف فقط عند السلوك العدائي من جانب طهران ضد جيرانها والتباهي بمد النفوذ ورفع الأعلام الفارسية على عواصم عربية، لكنه يفعل الأخطر حين يزرع الفتنة المذهبية في بلاد كانت تزهو بوحدة أبنائها في ظل العروبة، الميليشيات الطائفية التي تعتمد عليها طهران في تنفيذ مخططاتها هي الوجه الآخر لإرهاب الإخوان والدواعش.

إنهم يقودون المسلمين إلى حرب مذهبية قد تطول لعقود طويلة إذا لم يتم إيقاف نيرانها، وإذا لم تتم هزيمتها في كل الأرض العربية، وحصارها في مهدها.

ولعلنا هنا نعيد التذكير بوثيقة الإخوة الإنسانية التي حملت توقيع شيخ الأزهر الشريف وبابا الكنيسة الكاثوليكية وهي تعلن، من أبوظبي، أن الأديان السماوية جميعها ترفض الإرهاب وتدعو للسلام والإخاء بين البشر.

الحقائق تقول إن من وقفوا ضد الإرهاب الإخواني الداعشي، هم أنفسهم من وقفوا ضد التوغل الإيراني وميليشياته التي ينشرها من اليمن وحتى العراق وسوريا، وهم أنفسهم من يضعون قضية فلسطين في قلوبهم، ويتمسكون بالمبادرة العربية أساساً للسلام العادل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات