التعديلات الدستورية بين الأزمة والحل

كما كان متوقعاً، يناقش مجلس النواب في مصر عدداً من التعديلات في دستور 2013. ورغم النفي الرسمي المتكرر لفكرة إجراء أي تعديل به، فقد كانت هناك لجنة من قانونيين وفقهاء دستوريين تعمل منذ شهور دون إعلان عن نشاطها، للتحضير لتلك التعديلات التي فاجأ البرلمان الحياة السياسية والرأي العام ببدء مناقشة عدد منها، تقدم بطلبها ائتلاف دعم مصر.

وإن كان بعض التعديلات يمكن القبول بها، ومنها على سبيل المثال مدّ فترة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست سنوات، إلا أن باقي التعديلات تحتاج إلى دراسة وتأنٍّ.

ولو أن الحكمة كانت حاضرة لما غاب عن مقدمي التعديلات تأمل ما يجري في الحياة السياسية من مخالفة صريحة للدستور القائم، بما كان يستدعي التدقيق في المصطلحات والنصوص الدستورية لمعالجة تلك المخالفات. فالدستور القائم مثلاً ينص في المادة 74 صراحة على أنه لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب على أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفي أو جغرافي، ورغم هذا النص الصريح، ففي مصر الآن نحو أكثر من 100 حزب، يزعم مؤسسوها، أنهم أحزاب مدنية بمرجعية دينية.

ولا معنى لوجودها سوى التسامح الرسمي معها، ليس فقط بإشراكها في وضع دستور لا تلتزم بنصوصه بل تمعن في خرقها، كما هو الحال مع حزب النور، بل أيضاً بموافقتها على خوضه الانتخابات ليحوز على 12 مقعداً في مجلس النواب.

ولم يكن من نتيجة لمثل هذا التوجه الذي ساعد على تصاعد نفوذ الأحزاب الدينية، سوى أن يخيم الركود السياسي على الحياة الحزبية، وهو ركود ساهم في تكريسه تجاهل البعض للحالة السياسية الراهنة للبلاد، وهو ما انطوى على رسالة ضمنية سلبية لجموع المواطنين، أن التعددية الحزبية ليست وسيلة للتغيير السياسي ولا لتداول السلطة، بما يشجعها هي أيضاً على تجاهلها والابتعاد عنها، وعن العمل الجمعي بشكل عام. ولم نعد ندري ما الثمن الذي يتعين على الوطن الاستمرار في دفعه لحزب النور لدعمه خريطة الطريق لثورة 30 يونيو، ولحفزه على فكّ تحالفه مع جماعة الإخوان.

ومن المعروف أنه أكثر تزمّتاً من الناحية الفقهية، وهو ما يتجلى في المناخ الطائفي والمذهبي الذي بات يشيعه في المجتمع، والتشدد في مظاهر التدين الشكلي والسلوك الاجتماعي الخارج على التقاليد المصرية، الذي أخذ يفرضه بالقوة وبأحكام قضائية، بما يحمله ذلك من مضامين جوهرية تهدف للانقضاض على المكاسب التشريعية والسياسية والاجتماعية التي تم تحقيقها على امتداد نحو قرنين لإقامة دعائم الدولة المصرية المدنية الحديثة.

وهل تستقيم الدعوة لتجديد الخطاب الديني مع الصمت على الوجود غير الدستوري للأحزاب الدينية، التي تلعب دوراً بارزاً في عرقلة أي مسعى لتحرير التراث الإسلامي من أثقال ما دُسّ عليه في الفترات المظلمة للتاريخ الإسلامي، في خضم الصراعات السياسية الدامية ولخدمتها ولتبرير نتائجها؟

أغرت غياب الإرادة السياسية والآلية التنفيذية لتطبيق ذلك النص الدستوري، حزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، الذي سُمح لقتلة ومجرمين من بينهم مؤسسوه بعد إطلاق سراحهم من السجون في أعقاب سقوط نظام مبارك، بالتحدي وتوجيه رسائل عنف للدولة والمجتمع.

ولم يكن من المستغرب والحال هكذا أن ينجح طارق الزمر في الترشح والفوز برئاسة الحزب، وهو الهارب من العدالة خارج البلاد، لاتهامه بتشكيل تنظيم إرهابي لشن هجمات على قوات الأمن ومؤسسات الدولة، وإحياء النشاط المسلح للجماعة الإسلامية، والتحريض على العنف والقتل أثناء اعتصام النهضة ورابعة.

ولم تكن المفارقة في ترشحه فقط لرئاسة الحزب، بل في قبول الحزب لهذا الترشيح، وفوزه بأعلى الأصوات على منافسيه، لتبدو تلك النتيجة دعماً لتاريخه الدموي المكلل بالعار، وليتأكد بذلك أن الذين منحوه أصواتهم لا يختلفون عنه، سوى في الموقع الجغرافي، حيث يقبع هو في الدوحة هارباً، بينما يتلقون أوامره وينفذونها وهم في القاهرة.

وكان حزب النور وحلفاؤه هم من ساهموا في لجنة الخمسين التي أعدت دستور 2013، في الصياغة الملتبسة لتلك المادة الدستورية، بديلاً للنص الوارد في التعديلات التي تمت للدستور عام 2007، وكان يحظر بنصّ منضبط الصياغة «مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس ديني»، وهو نصّ أهديه لمن أغفلوا إدراجه في التعديلات الدستورية الجديدة، لعلهم يدركون!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات