النهج النبوي في رعاية المصالح العليا

المتأمل للسيرة النبوية يجدها زاخرة بنهج نبوي حكيم في رعاية المصالح العليا، سواء المصالح المتعلقة بالأفراد أو المجتمع أو الدولة، وهو منهج يراعي تحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، ووضع الأمور في مواضعها، ومراعاة حال القدرة والعجز، والقوة والضعف، والسعة والشدة، والاختيار والاضطرار، والسلم والحرب، والتمييز بين التعامل مع غير المسلمين والرضا بمعتقداتهم، والمعالجة الحكيمة للتحديات.

فقد كان الهدي النبوي مراعاة تنوع الأحوال، واختيار الأنسب لكل حال، حرصاً على تحقيق المصالح العليا، ومن صور ذلك طلب النبي النصرة والحماية من غير المسلمين عندما احتاج إلى ذلك، فقد كان في بداية دعوته في حماية عمّه أبي طالب، وبعد وفاة عمه واشتداد أذى قريش له ذهب إلى الطائف طالباً النصرة منهم وهم وثنيون، فقابلوه بالعداء، ولما رجع وأراد دخول مكة استجار بالمطعم بن عدي ولم يكن مسلماً، ودخل تحت حمايته، ولما اشتد الأذى بأصحابه أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، والاحتماء بدولة مسيحية على رأسها النجاشي لعدله، وفي رحلة الهجرة إلى المدينة استأجر شخصاً وثنياً خبيراً وأميناً ليدله على الطريق.

ومن الهدي النبوي في رعاية المصالح العليا إقرار غير المسلمين على دينهم، وأن ذلك من باب التعامل معهم، ولا يلزم منه الرضا بمعتقداتهم، ولذلك عندما وصل النبي المدينة عقد المعاهدة مع اليهود، وأقرهم على دينهم، وعقد معاهدات كثيرة مع قبائل العرب، منها معاهدة أهل نجران الذين قدموا من اليمن، حيث أقرهم على دينهم وكنائسهم، وقصتهم متواترة مشهورة، قال ابن القيم: «وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده، وحانت صلاتهم فصلوا فيه، وذلك عام الوفود»، واستنبط ابن القيم من ذلك جواز دخول أهل الكتاب المساجد، وتمكينهم من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم لعارض، وأثمر هذا التعامل عن دخول أهل نجران تحت حكم الدولة النبوية.

ومن منهج النبي في هذا الباب أيضاً إنزال الناس منازلهم، فقد كان يأمر أصحابه بذلك، وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، أي إذا جاءكم شخص ذو مكانة في قومه بأن كان رئيساً فيهم وسيداً عليهم فعاملوه بالإكرام، لما في ذلك من المصالح، ولذلك كان النبي يتواضع لأكابر قريش وينزلهم منازلهم، تأليفا لهم ولقومهم، وكذلك كان يفعل في مخاطبة الملوك، فكتب إلى هرقل: «عظيم الروم»، وكان يستقبل الوفود، ويحسن إكرامهم.

ومن المنهج النبوي في رعاية المصالح العليا الدخول في الأحلاف التي فيها تحقيق العدل، ولو كان الذين عقدوه غير مسلمين، لأن العدل مطلب لا يتقيد بقيد، كما حدث في حلف الفضول، ومن ذلك أيضاً عرض الصلح حقناً للدماء، كما فعل النبي في صلح الحديبية، وتنازل عن الأمور التي اعترض عليها سهيل بن عمرو مندوب قريش، ككتابة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وكتابة «محمد رسول الله»، وتنازل عن إتمام العمرة عامه هذا، ووافق على الشروط المجحفة التي أثارت غضب أكثر الصحابة، لما رأى في الصلح من المصالح العظيمة التي تحققت بعد ذلك حتى سماه الله فتحاً مبيناً.

وكذلك راعى النبي المصالح العليا في باب إنكار المنكر، فقد كان يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، وبعد فتح مكة لم يُعِد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مع قدرته على ذلك، خشية وقوع الناس في الفتنة، وفي باب الحدود أسقط النبي إقامة الحدود في الحرب، مراعاة للمصالح العليا، وتَرَك إقامة حد القذف على عبد الله بن أُبي بن سلول في حادثة الإفك، تأليفاً لقومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان سيداً مطاعاً فيهم، واستنبط العلماء من ذلك جواز ترك الحد إذا خيف منه تفريق الكلمة، وأسقط عمر حد السرقة في عام المجاعة، مراعاة لأحوال الناس، وكذلك في أوقات الفتن والاختلاف قد لا يتمكن الحاكم من تطبيق بعض الأحكام، ولذلك أجَّل عليٌّ رضي الله عنه تطبيق القصاص على قتلة عثمان درءاً للمفاسد، ونقل ابن العربي المالكي اتفاق الأمة على جواز تأخير القصاص إذا أدت إقامته إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة، وقال ابن قدامة: «وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شُغل عنه أُخِّر»، وكل ذلك مراعاة للمصالح العليا للأمة، ولما أسلم النجاشي بقي ملكاً على الحبشة، ولكنه لم يستطع إظهار إسلامه، ولا تطبيق جميع أحكام الإسلام، وكان في وجوده مصلحة عظيمة، ولم يقدح هذا في إيمانه، بل لما وصل خبر موته إلى النبي قال: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم».

كذلك أيضاً راعى النبي المصالح العليا في الحرب، فعندما تكالبت جموع الأحزاب على المدينة أمر بحفر الخندق، ومنع أصحابه من استفزاز العدو، حتى إن حذيفة بن اليمان وجد فرصة سانحة للتخلص من أبي سفيان زعيم الأحزاب آنذاك ولم يفعل امتثالاً للسياسة النبوية الحكيمة، والتي أثمرت عن انصراف جموع الأحزاب وسلامة المسلمين.

وصور الهدي النبوي في رعاية المصالح العليا كثيرة، لا يفي بها مقال ولا مقالات، وما ذكرناه شذرات من هديه الشريف، تنير القلوب، وتفتح العقول.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات