رسالة البابا فرنسيس

الحوار من أرقى طرق التواصل بين البشر، ومن أهم أساليب الخطاب الإنساني، ويتأكد اللقاء والحوار بين الشخصيات العالمية المؤثرة، سواء كانوا علماء دين أو قيادات فكر أو ساسة أو غيرهم، والذين تتجه إليهم الأعين للمساهمة في بناء صروح الأمن والاستقرار في المجتمعات، ووضع لبنات العيش المشترك بين الشعوب، لئلا يتحول الخلاف إلى صراع، ولئلا يُستعاض عن الحوار والتناصح بالاشتباك والتعارك، فيعتدي كل طرف على الآخر، وتُسفك الدماء، وتُنتهك الحقوق.

وقد حرصت دولة الإمارات منذ بزوغ فجرها على إرساء دعائم الحوار البنَّاء على كافة الصعد، بما يحقق التعايش، ويعزز السلام العالمي، ويقي المجتمعات من نيران الفتن والصراعات.

وفي هذا الإطار تأتي الزيارة التاريخية لقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى دولة الإمارات، تلبية لدعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للمشاركة في لقاء حوار الأديان، وبهذه المناسبة ألقى البابا فرنسيس كلمة مصورة، أثنى فيها على دولة الإمارات وقيادتها وشعبها، وأشاد بدولة الإمارات كنموذج للتعايش والسلام والاستقرار والازدهار، وأشار إلى أن هذا اللقاء صفحة جديدة من تاريخ العلاقات بين الأديان، وأنه يؤكد كون الجميع إخوة وإن كانوا مختلفين.

لقد أكدت هذه الرسالة مكانة دولة الإمارات العالمية في إرساء الاستقرار، وجهودها في إقامة اللقاءات التاريخية لتعزيز قيم العيش المشترك في المجتمعات، بما يحفظ أمنها واستقرارها، وينبذ العنصرية والطائفية والاضطهاد على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون، فالجنس البشري عائلة إنسانية واحدة، تنحدر من أصل واحد، وهو آدم عليه السلام، وهو ما قرره القرآن الكريم في نصوص كثيرة، قال تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة}، فالناس كلهم أبناء أبيهم آدم، وهم من هذه الجهة إخوة، قال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً} {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} {وإلى مدين أخاهم شعيباً} قيل: أخوهم في النسب والقرابة، وقيل: أخوهم في الموطن واللغة، وقيل: أخوهم من ولد أبيهم آدم، وهو قول أبي إسحاق الزَّجَّاج الإمام النحوي المعروف صاحب كتاب (معاني القرآن).

ومن مقتضيات هذه الأخوة الإنسانية العامة المعاملة بالحسنى، والتي لخصها القرآن الكريم في كلمتين راقيتين العدل والإحسان، قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، ويرادف هاتين الكلمتين أيضاً البر والقسط، قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}، والبر هو التَّوسع في الإحسان، والقسط هو العدل، فهاتان دعامتان مهمتان للعلاقات الإنسانية، العدل الذي يتم به إعطاء الحقوق، والإحسان الذي يكون به إسداء المعروف.

ومن جملة الحقوق الإنسانية المشتركة حق الكرامة الإنسانية، فقد قرَّر القرآن الكريم قيمة الإنسان وتكريم الله له، قال تعالى: {ولقد كرَّمنا بني آدم} أي: جعلنا لهم شرفاً وفضلاً بالعقل والنطق وحسن الصورة واعتدال القامة وتسخير الأشياء لهم، وهذا التكريم عام يشمل جميع بني آدم.

ومن جملة الحقوق الإنسانية التي ينبغي تكريسها والتأكيد عليها عصمة الدماء، فقد قرر الإسلام حرمة الدماء في نصوص كثيرة، قال جل شأنه: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}.

ومن جملة الحقوق أيضاً حرية الاعتقاد والضمير والدين، فالله تعالى أعطى الإنسان الإرادة والاختيار، فالبشر أحرار فيما يختارون، بمعنى أنه ليس لبشر سلطان أن يجبرهم على ما لا يريدون، قال تعالى: {لا إكراه في الدين}، وقال سبحانه: {أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، وهم محاسبون على اختياراتهم أمام الله تعالى، ومسؤولون عن مدى مطابقة إراداتهم لمراد الله تعالى منهم، ومصيرهم إلى الله تعالى وحده، هو يحاسبهم على ذلك، وأما حدود البشر فهي الدعوة بالحكمة والنصيحة بالمعروف، قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}.

ووجود الاختلاف كما أشار إليه البابا لا ينفي بناء علاقات إيجابية بين المختلفين، تقوم على بذل الحقوق والتعاون على المعروف، فالاختلاف سنة كونية، لا تتعارض مع التعارف والتعاون وقبول الآخر، والعيش المشترك وفق مبدأ الاحترام والسلام والتناصح والحوار.

وقد عاش المسلمون منذ العهد النبوي مع أهل أديان وثقافات متعددة، شعارهم البر والإحسان والأخلاق الراقية أينما كانوا ومع من تعاملوا، ومن واجب المسلمين في كل زمان إبراز قيمهم الحضارية التي تكرس السلام، وتحمل مشاعل الخير للآخرين، وتبني العلاقات الإيجابية معهم.

وهذه الأخوة الإنسانية لا تعني بحال الانصهار والذوبان وفقدان الهوية والتنازل عن المعتقدات، بل تعني تقديم النموذج الحضاري الراقي في التعايش ليكون نبراساً للآخرين، وهو ما أكده معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح، من أن التسامح لا يمثل الابتعاد عن الهوية أو إهمال المبادئ والمعتقدات أو الانفصال عن التاريخ، وأن دولة الإمارات تمثل امتداداً ناجحاً لما اتسمت به الحضارة الإسلامية في هذا الباب.

إن دولة الإمارات تحرص باستمرار على تعزيز أواصر العلاقات الإيجابية مع الجميع، ليعم الخير والرخاء أرجاء المعمورة، وتلتقي البشرية على قيم السلام والعيش المشترك.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات