مصر وفرنسا.. الاتفاق يسبق الاختلاف

ترافقت العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا مع العلاقات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وأصبحت الثقافة النواة الأساسية التي تمهد لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية، وتدفع بها قدماً إلى الأمام باستثناء حقبة الخمسينيات التي شهدت وقوع العدوان الثلاثي على مصر ونضال الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وهي الفترة التي تمكنت فيها مصر بقيادة الزعيم الراحل عبد الناصر، وفرنسا بقيادة الزعيم الفرنسي شارل ديجول من تجاوز آثارها واستئناف العلاقات على قاعدة الاستقلال والندية.

ثمّة إدراك متبادل بين مصر وفرنسا، لموقع كلا البلدين وتأثيرهما في المحيط والإقليم اللذين يتجاوزان حدودهما، فمصر تقع في قلب الشرق الأوسط والعالم العربي وهى دولة آسيوية وأفريقية وإسلامية، ومارست تأثيرها الثقافي والسياسي في هذه الدوائر، منذ أن تلمست طريق النهضة والحداثة واقتباس نظم التعليم والإدارة الحديثة وحاولت التوفيق بين التقليدية والحداثة.

كما أن فرنسا تقع في قلب أوروبا ولعبت دوراً تاريخياً ومؤثراً في مجرى التطور الأوروبي الحديث، وفضلاً عن ذلك تقع مصر وفرنسا على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، الضفة الجنوبية والشمالية، وبين هاتين الضفتين تبادل ثقافي وتجارى وعسكري أسهم في تقريب أنماط الحياة وتدعيم التواصل بين الثقافات والحضارات.

ولا شك أن هذا التداخل الفريد بين الثقافة والتاريخ والإدراك المتبادل لتأثير البلدين في محيطيهما يمثل حتى الآن نواة الشراكة الاستراتيجية بينهما التي تشهد تطوراً تدريجياً وإيجابياً على الصعد الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية.

في هذا الإطار، استلهمت زيارة الرئيس الفرنسي لمصر مقدمات وأسس العلاقات بين البلدين، حيث بدأت زيارة الرئيس الفرنسي لمصر بزيارة معبد أبو سمبل في الأقصر، في الذكرى الخمسين لنقل هذا المعبد، وتكتسب هذه الزيارة الرمزية دلالات مهمة، حيث تؤكد التقدير الفرنسي الرسمي والشعبي للحضارة المصرية القديمة، وتشير إلى عمق التاريخ الذي يربط بين مصر وفرنسا التي أسهمت في فك رموز اللغة الهيروغليفية منذ أن اكتشف شامبليون أسرار لغة الفراعنة.

كما أن هذه الزيارة الرمزية في هذا التوقيت تكتسب دلالات معاصرة تتعلق بدعم السياحة في مصر وتشجيع وفود السائحين الفرنسيين وغيرهم لزيارة مصر وآثارها، ورسالة هذه الزيارة إلى الفرنسيين والعالم تقول ادخلوا مصر آمنين وزوروا معابدها وآثارها من دون خوف من الإرهاب، حيث تمكنت مصر من تحقيق الاستقرار والأمن.

من ناحية أخرى فإن الظروف الراهنة في الشرق الأوسط وأفريقيا تقتضى مواجهة مشتركة من مصر وفرنسا في العديد من ملفات وقضايا المنطقة، فرنسا بحاجة إلى دعم مصر في سوريا والوصول إلى حل سياسي يحفظ وحدة الأراضي السورية ويحقق مصالح الأطراف المختلفة حول الصيغة الدستورية، ومصر من خلال الأفكار التي قدمتها حول الحل في سوريا وعدم انحيازها إلى طوائف وميليشيا معينة في الصراع السوري، اكتسب موقفها قوة أخلاقية ومعنوية يمكنها من التأثير في مجريات الأمور نحو الحل السياسي.

كما أن الأزمة الليبية تجمع بين مصر وفرنسا، فالبلدان لهما مصالح في استقرار ليبيا والتوصل إلى صيغة سياسية مدعومة دولياً من المنظمة الدولية وكل الأطراف الإقليمية والدولية، ويتفق البلدان حول أهمية الجيش الليبي والمشير خليفة حفتر في حفظ وحدة ليبيا وتحقيق أمنها، خاصة بعد الاختلاف والتباعد بين إيطاليا وفرنسا بشأن ليبيا وتأييد السترات الصفراء من قبل بعض المسؤولين الإيطاليين.

وأخيراً وليس آخراً فإن فرنسا ومصر مهتمتان بالقضية الفلسطينية وضرورة إخراج المفاوضات من الجمود الراهن، والتوصل إلى تسوية تحفظ للجانب الفلسطيني حقوقه المشروعة في الدولة والقدس، وتدرك فرنسا أهمية دور مصر في المنطقة والإقليم، فهي تمثل حجر الزاوية في الاستقرار والأمن وهي قادرة على بناء نموذج يتمثل في الحفاظ على الدولة المدنية الحديثة ورفض الدولة الدينية والطائفية ومناهضة الإرهاب ودعم الجيوش الوطنية.

أما الجدل والاختلاف حول حقوق الإنسان فإنه لا يقلل من أهمية هذه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في مواجهة المصالح المشتركة والمتبادلة بينهما، ذلك أن مفهوم حقوق الإنسان من الممكن أن يجمع بين عمومية المبدأ وخصوصية التطبيق، أي لا يختلف أحد حول المبادئ والمعايير التي تعزز حقوق الإنسان ولا حول كونيتها وإنسانيتها، واعتبارها شريعة دولية عالمية، كما أن تطبيق هذه المبادئ، يتعلق بخصوصية الظروف والملابسات التي تعاني منها كل دولة، ليس بهدف تبرير انتهاك لبعض هذه الحقوق، ولا بهدف إرجاء تطبيقها، وإنما تحيّن الوقت الملائم وفق أجندة الأولويات الوطنية، ولا شك أنه في الحالة الفرنسية المصرية فإن التقارب يسبق التباعد، كما أن الاتفاق يسبق الاختلاف.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات