جيل «ألفا»

الفصل المدرسي في هذه المدرسة البريطانية في منطقة «كنينغتون» جنوب لندن ليس كغيره. الأطفال في الصف الدراسي الخامس يجلس كل منهم خلف شاشة كمبيوتر. المعلمة تشرح الدرس على شاشة ذكية ضخمة. الأطفال كلهم آذان صاغية. التفاعل بينهم وبين المعلمة يفتر أحيانًا حين تسأل سؤالاً صعبًا فيغرق البعض في تفكير عميق، بينما يخرج البعض الآخر بإجابات تحمل بعضًا من منطق وكثيرًا من ابتكار غير متوقع. لكن في نهاية المطاف، يتحول الفتور النسبي إلى مشاركة عاتية. فقد وصلت المعلمة بطلابها إلى الإيقاع الأفضل عبر الوصول إلى حلقة منطقية من الترميز

Coding يدفع بالصغار لا إراديًا إلى هز رؤوسهم ورفع أياديهم تفاعلاً من الإيقاع الموسيقي الذي توصلوا إليه من المعلمة عبر التقنيات الرقمية.

لكن الحقيقة هي إنهم لم يكتسبوا فقط القدرة على التأليف الموسيقي، لكن مهاراتهم الصغيرة سنًا المكتسبة في المدرسة الموجهة في مناهجها وطرق تدريسها إلى إدماج التعليم الرقمي منذ الصغر في مناهج وتدريبات الصغار.

المشهد الآخر المثير هو أن بين الطلاب عددًا من المعلمين. يجلسون في صمت يتابعون شرح المعلمة على الشاشة الذكية، ويدونون ملحوظاتهم. إنهم يتعلمون ويتدربون كي ينقلوا سبل التفكير المنطقي لوضع ترميزات منطقية تؤدي إلى إيقاعات مستساغة يصنعها الصغار تحت إشرافهم. المسؤولون عن تدريب المعلمين في «مركز التعليم المتصل» يعترفون أن المعلمين الذين يخضعون للتدريب جنبًا إلى جنب مع طلابهم الصغار يشعرون في البداية بنوع من التوتر. فالصغار يسبقونهم في القدرة على التفكير المنطقي والخروج بأكواد ترميزية لمقطوعاتهم الموسيقية الرقمية أسرع بكثير منهم. إنها سُنة الأعمار الصغيرة، وطبيعة جيل

Alpha الذي يبدو إنه خرج إلى الحياة بتركيبة فطرية متوائمة تمامًا مع العصر الرقمي.

المدارس البريطانية أدمجت التعليم الحاسوبي

Computational Education منذ سنوات في تركيبة المناهج وسبل التدريس وقاعات الدراسة والأهم من كل ذلك في التركيبة الذهنية لكل الأطراف الضالعة في العملية التعليمية: طلاب، معلمين، أولياء أمور، إداريين، مسؤولي تعليم، واضعي مناهج، مراكز تدريب، إلخ.

وبينما العالم يمضي قدمًا في سنوات الثورة الصناعية الرابعة حيث يركض ويصارع الزمن لإدماج التكنولوجيا في حياتنا، تارة عبر الذكاء الصناعي، وأخرى عبر الرروبوتات، وثالثة بالنانو تكنولوجي، ورابعة بإعادة هيكلة الأنظمة التعليمية ليكون التقنيات الرقمية مكونًا رئيسيًا ومركزيًا، نكتسب خبرات ونتعلم مهارات ونفتح مسارات من أجل المستقبل.

المستقبل وسوق عمله ومجالات التميز والتفرد فيه لن تتحكم فيها شهادات هيكلية ترتكز على أنظمة تعليم تقتل الفكر وتجهض الابتكار. وحتى لو كان حاملها قد أحرز أرفع درجات الامتياز وحقق أعلى مرتبات الشرف الدراسي، فإن عدم مصاحبة هذه الدرجات العلمية بمهارات رقمية يعني صفرًا في سوق العمل.

سوق العمل الذي تحاول بعض الدول حاليًا تأهيل خريجيها لتمكينهم من فرصه، وتقليص الفجوات القائمة بين مواصفات الخريج ومتطلبات السوق الآخذ في الرقمنة، وذلك عبر إعادة تأهيل وإعادة تدريب وإعادة تمكين يستعد لاستقبال جيل( ألفا) في الدول التي جعلت من المكون الرقمي جزءًا رئيسيًا ومركزيًا ليس فقط في مناهجها، ولكن في منظومتها التعليمية فكرًا وتفعيلاً.

أحد مسؤولي «مركز التعليم المتصل» في لندن يقول إن الفكرة من التعليم الحاسوبي ليس تدرب أو تعليم الأطفال كيفية التعامل مع الكمبيوتر والسبل والأدوات الرقمية، ولكنه قائم على أن ينمو الصغار وهم متوائمون تمامًا مع التفكير الرقمي. فهو يصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوينهم المعرفي والإدراكي والتعليمي والمنطقي. وهذا الأسلوب يختلف عن محاولات إعادة تأهيل الخريجين الجدد للتعامل مع الثورة الصناعية الرابعة، أو إدماج مادة «الكمبيوتر» أو «الذكاء الصناعي» كمكون مستقل في قائمة المناهج. هذا النوع من التعليم يجعل من الرقمنة ومنظومته الفكرية مكونًا رئيسيًا في منظومة التعليم.

صحيح أن سلسلة من الدراسات العملية أثبتت أن خريجي التخصصات المنفصلة تمامًا عن الذكاء الصناعي والعصر الرقمي أمامهم فرصة الالتحاق بسوق العمل الآخذ في الرقمنة، وذلك عبر الخضوع لدورات تدريبية والعودة إلى صفوف دراسية مكثفة لإضافة مكون الرقمنة إلى مهاراتهم، إلا أن المتوقع من الأجيال الأصغر التي نشأت على التكيف والتواؤم والتعامل مع الرقمنة مختلف تمامًا.

ومع هذا الطوفان من الرقمنة، تأتي المواطنة الرقمية مكونًا رئيسيًا فيما يحدث في المدارس البريطانية. والمواطنة الرقمية مفهوم يدمج المعلمين وأولياء الأمور والطلاب والقائمين على أمر التكنولوجيا في منظومة فكرية توضح ما يجري على الأثير وما ينبغي أن يراعى لتحقيق الاستخدام الأمثل وضمان الفائدة الأكبر. فبين تعريف وتدريب على تطبيق سبل الأمان الإلكتروني والتعامل مع التنمر العنكبوتي، والحفاظ على الخصوصية، واحترام حقوق الملكية، والتيقن من المعلومات الموجودة على الشبكة الإلكترونية، والتمكن من التحكم في الحياة الرقمية يشكل محتوى المواطنة الرقمية مكونًا رئيسيًا في التعليم المدرسي.

العالم يتغير، والتعليم يتطور، وجيل (ألفا) يسابق الزمن والعصر الرقمي يفرض سطوته على الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات