الحوار حول التعديلات الدستورية

انتقلت المناقشات الدائرة في مصر حول تعديل الدستور من ساحة الحوار في المجال العام، إلى منصّات القضاء، بعد أن تقدم عدد من المواطنين بدعوى قضائية للمطالبة بتعديل المادة 140من دستور 2013 التي تنص على أن ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة.

ويستند دعاة تعديل تلك المادة بهدف إطلاق مدد الرئاسة، إلى التناقض الذي برز في الدستور وجعل مدة مجلس النواب خمس سنوات، فيما قصر مدة الرئاسة على أربع سنوات فقط.

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون الذي لا يتحدث فيه كثيرون، فيعود للوضع الاستثنائي والتاريخي لرئيس الجمهورية الحالي الرئيس «عبدالفتاح السيسي» الذي يقضي فترته الثانية في الحكم، ويمتلك رؤية لتطوير البلاد، قد لا تتيح له المدتان الدستوريان الوقت الكافي لتنفيذ البرامج الخاصة بها.

وبجانب ذلك وربما قبله، أنه هو القائد الفعلي لثورة الثلاثين من يونيو الشعبية التي أطاحت بنظام طغمة جماعة الإخوان الدينية الفاشية، التي قادت البلاد خلال عام واحد من حكمها إلى فوضى شاملة، بعد أن تفرغت خلاله لهدم مؤسسات الدولة الراسخة، وتغيير ملامحها، وتشتيت أفرادها والكفاءات الإدارية التي كانت تشغلها، لتحل محلهم معدومي الخبرة والعلم والمعرفة والكفاءة من أعضائها وأنصارها، متعللة بشرعية صندوق انتخابي مشكوك في نزاهته، بعد أن أعلن قادتها نتيجته قبل الإعلان الرسمي لها، وهددوا بحرق مصر، إذا لم يعلن مرشحهم رئيساً لها في كل الأحوال.

بعض إشكاليات تعترض الدعوة لتعديل الدستور. منها مثلاً أن الدستور الحالي ينص في مادته 226 الخاصة بإجراءات تعديله، على أنه يحق لرئيس الجمهورية أو لخمس أعضاء مجلس النواب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، مع وجوب أن يذكر في الطلب المواد المطلوب تعديلها وأسباب التعديل، على أن يوافق على التعديل ثلثا أعضاء مجلس النواب، ثم يعرض التعديل على الاستفتاء خلال ثلاثين يوماً من صدور تلك الموافقة.

لكنه عاد وفي نفس المادة كي يؤكد أنه لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات.

المعارضون للتعديل يقولون إن تلك المادة حاسمة وتمنع بشكل باتّ ونهائي أية إمكانية لحدوثه. فيما يرى المؤيدون له أن فقهاء القانون يفرقون بين ما هو وجوبي، بمعنى إلزامي، وما هو جوازي بمعنى أن يتساوى فعل الإجراء مع عدم فعله، وهو ما تنطوي عليه المادة المذكورة.

الإشكالية الأخرى أن الحوار الدائر حول تعديل الدستور، قد فتح شهية المعارضين لحذف من الدستور المواد المتعلقة بتخصيص نسبة 50% لممثلي العمال والفلاحين في كافة المجالس التمثيلية، وكانت تلك المادة قد وضعت لمرة الأولى في دستور 1964 استلهاماً من «ميثاق العمل الوطني» الذي صدر عام 1962، معتبراً العمال الفلاحين يشكلون أغلبية الشعب المصري، ويشاركون في الجانب الأكبر من الدخل القومي.

وانتقلت نفس المادة إلى دستور 1971، وظل معمولاً بها في كافة المجالس النيابية والمحلية حتى عام 2011.

وتأتي المطالبة بإعادتها رغم تغير الظروف الاجتماعية التي أباحت وضعها، ورغم تضارب التعريفات الخاصة بالعامل والفلاح، ورغم أن تلك النسبة كانت قد تم استخدامها في تزوير الانتخابات البرلمانية والمحلية على امتداد 40 عاماً، لتبقي الأغلبية في حوزة الحزب الحاكم بشكل دائم.

وتحتفظ الذاكرة الجمعية للمصريين بتاريخ سلبي مرير لتعديل الدستور بما يطلق مدد الرئاسة دون قيد أو شرط.

فدستور 1971 حدد مدتين فقط لفترة الرئاسة، لكن الرئيس السادات استخدم أغلبية مصنوعة في مجلس الشعب، لتعديل النصّ لمواصلة مدة الرئاسة دون قيد أو شرط، لكن القدر لم يمنحه الفرصة للاستفادة منه، وهو الأمر الذي ظل سارياً على امتداد 30 عاماً من حكم الرئيس مبارك، رغم التعديلات التي تم إدخالها على الدستور للسماح بالمنافسة الانتخابية على موقع رئاسة الجمهورية.

وهنا تكمن إشكالية ثالثة تعترض الدعوة لتعديل الدستور، بتزايد المطالبات بإعادة مواد خلافية إليه، بعد أن تم إلغاؤها.

وأظن -وبعض الظن ليس إثماً- أن الاختيار السليم في هذا الحوار العام، الدعوة للعودة إلى النص الخاص بمدد الرئاسة كما ورد في دستور 1971 لفترتين متتاليتين ومدة كل منهما، ست سنوات. وبالتالي يتم تعديل المادة 140 وحدها لتمتد ست سنوات بدلاً من أربعة، ويجري الاستفتاء عليها وحدها، حتى لا تتحكم أهواء الاحتقان السياسي القائم الآن في توجه الدستور، إذا ما تمت الموافقة على تعديل مجمل مواده.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات