مصر «الوطن الأكبر» لكل الأفارقة

كنت فخوراً، وأنا أتابع المؤتمر الصحافي للرئيسين عبد الفتاح السيسي، وسيلفا كير، بمقر القصر الجمهوري في الاتحادية، حينما وجه سيلفا كير الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي على مواقف مصر الإنسانية تجاه شعب جنوب السودان، مؤكداً أن مصر كانت وما زالت وطناً لكل أبناء جنوب السودان وستظل هكذا للأبد، مشيراً إلى أن معظم الوزراء الموجودين معه في زيارته الرسمية والحاضرين للمؤتمر الصحافي تلقوا تعليمهم في مصر، بما يؤكد ضرورة تعزيز التعاون بين البلدين وبما يعود بالنفع المشترك عليهما.

على الجانب الآخر فقد كان الرئيس عبد الفتاح السيسي حريصاً على تأكيد العلاقات الأخوية بين مصر وجنوب السودان، وأنها سوف تشهد ازدهاراً غير مسبوق خلال المرحلة المقبلة. وقد وجه الرئيس سيلفا كير الدعوة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي لزيارة جوبا في مايو المقبل لحضور حفل تشكيل حكومة الوحدة، والتحدث إلى الشعب في جنوب السودان، وهي الدعوة التي لاقت ترحيباً شديداً من الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكداً أنه يتطلع لزيارة جنوب السودان، وتقديم كل الدعم لحكومة جنوب السودان لتحقيق السلام هناك، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

والآن تتأهب مصر لتولي رئاسة الاتحاد الإفريقي خلال الشهر المقبل مع بدء القمة الـ 32 للاتحاد الإفريقي التي تعقد يومي 10 و11 فبراير المقبل في أديس أبابا.

تحديات كثيرة تنتظر رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي أبرزها إيجاد وسائل عملية تسهم في تكثيف التعاون الثنائي بين الدول الإفريقية في مختلف المجالات، وكيفية تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الفرص المتاحة في دول القارة، وتحقيق الاندماج الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقارة، من خلال إنشاء مشاريع رائدة تستهدف تحقيق تحول تنموي حقيقي في القارة في مختلف المجالات.

الأفارقة يحلمون بالوصول إلى نموذج الاتحاد الأوروبي في التكامل الاقتصادي والسياسي والعسكري، وربما يكون هذا المشوار مازال حلماً لكن الاتحاد الإفريقي بدأ الطريق، ورئاسة مصر له خلال الدورة الجديدة سوف تعزز إمكان تحقيق هذا الحلم وتسهم في تحويله إلى واقع على الأرض من خلال تعزيز البنية التحتية للدول الإفريقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والاندماج الإقليمي، والعمل على زيادة معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق أعلى قدر من السلم والأمن الإفريقي، بالإضافة إلى إحداث ثورة إصلاح مالي ومؤسسي للاتحاد الإفريقي.

خلال العام الماضي بدأت مصر التحضير جيداً لرئاستها الاتحاد الإفريقي، حيث شهد منتدى شباب العالم في نسخته الثانية التي عقدت في شهر نوفمبر الماضي إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي مدينة أسوان عاصمة للشباب الإفريقي لعام 2019، كما أطلق أيضاً البرنامج الرئاسي لتدريب الشباب الإفريقي على القيادة، إلى جانب إطلاق مبادرة دولية لتدريب 10 آلاف شاب مصري وإفريقي كمطوري ألعاب وتطبيقات إلكترونية خلال السنوات الثلاث المقبلة.

التجربة المصرية الحالية في إنشاء المشاريع الوطنية في المدن الجديدة، والبنية التحتية والمشاريع الصناعية والزراعية، كلها تجارب ملهمة للأفارقة، أخيراً أسندت تنزانيا لمصر مشروع إنشاء سد «سيتجلر جورج» بتكلفة تصل إلى 2.8 مليار دولار، وكان هناك منافسون كثر، لكن التجربة المصرية في إقامة مثل هذه المشاريع حسمت توجه تنزانيا إلى مصر، لتفوز بتنفيذ هذا السد.

في المجال العسكري، تشارك مصر بفاعلية في كل عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وكانت لها المشاركة الكبرى في البعثة الأممية في الكونغو الديمقراطية، وبعدها شاركت في 37 بعثة أممية بأكثر من 30 ألفاً من القوات العسكرية والشرطية، حيث تحتل مصر المرتبة السابعة عالمياً بقائمة أكبر الدول المساهمة بقوات عسكرية وشرطية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في ست بعثات جميعها في إفريقيا.

إلى جانب التعاون العسكري تأتي قضية مكافحة الإرهاب كإحدى أهم الأولويات التي تهم القارة السمراء خاصة أن هناك الكثير من دول القارة تعاني ويلات الإرهاب والتطرف، وتسعى جاهدة للخلاص من ذلك الوباء القاتل، وقد نظمت مصر خلال عضويتها في مجلس الأمن والسلم الإفريقي العديد من الفعاليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، كما استضافت العديد من ورش العمل والمؤتمرات المتعلقة بتلك المشكلة، من أجل وضع آليات لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابع الفكر المتطرف الذي لا يزال يجد آذاناً مصغية من بعض الشباب الإفريقي، كما يحدث في بوكو حرام وداعش وغيرهما من التنظيمات الإرهابية المتطرفة.

أما على الجانب الاقتصادي فسوف يشهد دخول اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية حيز التنفيذ، وهي الاتفاقية التي تم توقيعها في كيجالي العام الماضي، وقد تم التصديق عليها من جانب 13 دولة حتى الآن، ولكي تدخل حيز التنفيذ تحتاج إلى توقيع 22 دولة، وفي مصر يتم إنهاء الإجراءات الخاصة بالتصديق عليها الآن من جانب مجلس النواب.

هذه الاتفاقية سوف تسهم في تعزيز حركة التجارة بين الدول الإفريقية، وإزالة الحواجز والعقبات أمام السلع ورؤوس الأموال مما ينعكس بقوة على زيادة التعاون الاقتصادي بين الدول الإفريقية.

إلى جوار تلك الاتفاقية، فإن ربط دول القارة بشبكة اتصالات ومواصلات برية وبحرية وجوية بات ضرورة ملحة لتدعيم حرية الحركة والتنقل للأفراد ورؤوس الأموال بين دول القارة، ويعتبر طريق القاهرة ـ كيب تاون من المشاريع العملاقة التي تحتاج إلى إرادة سياسية قوية من جانب الزعماء الأفارقة للإسراع باستكماله وتنفيذه، والمعروف أن شبكة الطرق والاتصالات كانت من الأسباب القوية لنجاح الاتحاد الأوروبي، وإذا ظهر مشروع طريق القاهرة ـ كيب تاون إلى النور فإنه سوف يربط طولياً بين القاهرة وكيب تاون ماراً بكل الدول الإفريقية، وهو يمر بمعظم دول حوض النيل من الشمال إلى الجنوب، يربط بين تلك الدول برياً لتبدأ بعدها المرحلة الثانية من خلال الربط بالسكك الحديدية.

مصر عادت بقوة إلى إفريقيا منذ 4 سنوات بعد فترة طويلة من الإهمال واللامبالاة، ورئاستها الاتحاد الإفريقي خلال الشهر المقبل، سوف تكون الترجمة الحقيقية لهذه العودة لتصبح مصر هي الوطن الأكبر لكل الشعوب الإفريقية بلا استثناء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات