القانون فوق الجميع.. والعدل أساس الحكم

أثناء الحرب العالمية الثانية كانت مئات الطائرات الألمانية تدكّ لندن بالقنابل على مدى أشهر، وكانت بريطانيا تشتعل تحت الحرب، فعبّر بعض البريطانيين عن استيائهم من الوضع أمام رئيس وزراء المملكة المتحدة آنذاك ونستون تشرشل وأخبروه أن بريطانيا تخرّبت، فسألهم: «هل القضاء بخير؟» أجابوه: «نعم»، فقال لهم: «إذا كان القضاء بخير فبريطانيا بخير».

تلك القوّة التي يعطيها القضاء العادل لأي دولة -مهما كانت كبيرة أو صغيرة- تعدّ من أهم أعمدة تماسك البنيان الوطني، لأنّ القضاء العادل يعني سيادة القانون، وفي الدول التي تحترم شعوبها وتحرص على مكانتها على المستوى العالمي؛ يكون القانون دائماً فوق الجميع.

وفي المبادئ الثمانية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، للحكم والحكومة في دبي، وضع سيادة القانون في المرتبة الثانية بعد الاتحاد، تحت عنوان (لا أحد فوق القانون)، انطلاقاً من قناعته بأن العدل دولة وقوّة وعزّة، وضمان لاستقرار وازدهار الوطن، وهو ليس بالأمر الجديد على سموّه، فقد قال سابقاً: «العدل هو أساس الحكم وسعادة أفراد المجتمع».

ووضح سموّه في إطار هذا المبدأ أنّ القانون فوق الجميع دون استثناء، وأنّ الأسرة الحاكمة بحدّ ذاتها تحت القانون، ولا فرق في تحقيق العدل وسيادة القانون بين غني أو فقير، مسلم أو غير مسلم، مواطن أو مقيم، لأنّ العدل هو أساس توازن المجتمع، والظلمُ مرفوضٌ مهما يكن مرتكبه.

ويتولّى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، الإشراف على تطبيق المبادئ الثمانية وتنفيذها بكلّ جدية وكفاءة، لتكون خارطة طريق للمستقبل ودستوراً شخصياً لكلّ قائد ومسؤول وموظّف في حكومة دبي، ليعملوا جميعاً تحت مظلّة هذه المبادئ وفي إطار القانون الذي ينطبق على الجميع.

وفي الواقع إنّ احترام القانون ليس مجرّد شعار نبيل، ولا هو أساسٌ للحكم يتبنّاه القادةُ والقضاةُ ومنفّذو القانون فحسب، وإنّما هو ثقافة اجتماعية قبل كلّ شيء، تبدأ من الأسرة لتستمر مع المؤسسات التربوية والأكاديمية؛ فتُغرَس في عقول الشباب وتنعكس على تصرّفاتهم وسلوكهم الاجتماعي والمهني.

فاحترام القانون يتجلّى في أبسط الصور وأعظمها، انطلاقاً من نظافة الشارع، وانتهاء بتهديد أمن الدولة وحياة البشر، لأنّ جميع مفاصل الحياة مرتبطة بالقانون، ولعلّ سمعة دبي كواحدة من المدن التي تفرض أقسى العقوبات على من يرمي النفايات من سيارته في الشارع؛ دليلٌ واضح على مدى جدّية هذه المدينة في تطبيق القانون واحترامه من قبل الكبير والصغير.

ولو أردنا أن نورد قصص دبي التي باتت نموذجاً عالمياً في احترام القانون لملأنا مجلّدات حولها، وتحضرني هنا قصّةُ مقيمٍ من جنسية عربية؛ نشرَ عبرَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي ما حدث معه في دبي، حيث تعرّضت سيارته لحادث اصطدام مع سيارة أخرى، ليفاجَأ بأن سائق السيارة الأخرى هو ضابط في شرطة دبي.

الأمر الذي أفزعه في البداية مما ستؤول إليه الأمور، لكن الضابط تصرّف بكلّ موضوعية وتحت مظلّة القانون، ولأنّه كان المخطئ في الحادث اعتذر من الرجل وتابع الإجراءات القانونية كلّها معه، دون أن يستغلّ مركزه كضابط في الشرطة، بل على العكس أثبت أنّ منفّذي القانون هم الأولى باحترامه.

مثل هذا التصرف لا يأتي فجأة من أي مواطن أو مقيم على أرض الإمارات المعطاء، وإنّما هو نتيجةٌ تراكميةٌ لسلسلة من المعطيات التربوية والاجتماعية والقانونية التي كرّست قوّة القانون وقيمته بين الناس.

وهنا لا بدّ من كلمة حقّ تقال لشكر الجهات المعنية بتطبيق القانون في دبي على ما تبذله من جهود في سبيل تكريس ثقافة احترام القانون، عبر المبادرات والندوات التوعوية والبرامج المتنوعة التي تنفّذها في هذا الإطار. كما تجدر الإشارة إلى أهمية استثمار وسائل التواصل الاجتماعي في غرس هذه الثقافة في نفوس الشباب وتشجيعهم على احترام القانون في كلّ سلوك أو تصرّف يقومون به.

إنّنا على ثقة بأنّ دولتنا الحبيبة بخير لأنّ قضاءنا بخير، ولأنّ القانون فوق الجميع وهو القوّة التي تحكم بين الناس بالعدل والمساواة، ونحمد الله ونشكره لأنّه حبانا بقائد عظيم عادل لا يقبل بالظلم، ويعتبر القرآن الكريم مرجعه وقانونه الأوّل الذي يحكم وفقاً لآياته المحكمات، فالآية الكريمة التالية تكفي لكي تكون أساساً للحكم العادل:

{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء 58).

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات