الانسحاب من سوريا

مع مطلع العام الجديد، لم تحظَ الساحة السياسية ببعض الاسترخاء، بل جاءت بالمزيد من التوترات، التي لم تهدأ منذ أعوام في الساحة السورية، ويبدو أن ساكن البيت الأبيض، الذي سهر يعمل ليلة رأس العام، وقال لأعضاء الكونغرس أن يذهبوا ويحتفلوا، قد اختار أن يشغل العالم والأمريكيين بمجموعة متلاحقة ومتلاطمة من القرارات، بعضها في الشأن الداخلي، والآخر حول الانسحاب الأمريكي من سوريا.

القرارات الترامبية خلقت أزمة متعددة الأبعاد، سواء أزمة الثقة الداخلية بين الرئيس الأمريكي والكونغرس أو الخارجية مع رابطة حلفاء أمريكا القدامى، وكذلك خيّم البؤس على العلاقات الأمريكية التركية، التي شهدت إلى وقت قريب، بعض التقارب، على خلفية زحف تركيا وقطر نحو واشنطن لاستجداء قرارات أمريكية بشأن حادثة خاشقجي.

لا داعي للتساؤلات حول الانسحاب الأمريكي من سوريا، فالرئيس الأمريكي ارتجل بالون الاختبار قبل التنسيق مع إسرائيل بدقائق، وجاءت النتيجة مذهلة، بالنسبة له، حيث تحرك الجميع ليعلنوا نواياهم بعد الانسحاب الأمريكي، وتورطت تركيا بإرسال جنودها إلى الحدود لسحق الأكراد، بعد ذلك، بدأ التنسيق الأمريكي- الإسرائيلي، برسم خطة مقبولة للانسحاب، تشير معالمها إلى أن ذلك لن يتم خلال هذا العام، والذي ألقى بظلال ثقيلة على المخطط التركي بحسم مسألة الأكراد المقلقة بالنسبة لهم.

كذلك، فقد لاحظ الرئيس الأمريكي، أن المبادرات العربية، بالتصريح أو بالتلميح، التي رأت إعادة دمشق إلى الصف العربي، وما زالت تبحث عن كل الإمكانات لإعمار واستقرار سوريا وإخراج الجماعات الإرهابية والأطراف الدولية منها، قد تكون المخرج بالنسبة لأمريكا، للانسحاب التدريجي، وإعادة الأمانة إلى أصحابها، والذي ضاعف ارتباك تركيا.

أتخيل أن الرئيس التركي قد اضطرب نتيجة ما يحدث على أرض الواقع، ونتيجة الظنون أن الساحة أصبحت فارغة للانقضاض على الأكراد، من دون الحاجة لأخذ تصريح آخر من روسيا، كما حدث إبان اقتحام عفرين العام الماضي، وبدا أن التعزيزات العسكرية التركية التي وصلت إلى مشارف الحدود السورية، تحت غطاء هش بمحاربة الإرهاب هناك، باتت تحرج الرئيس أردوغان أمام قيادات جيشه والمعارضة التركية وأمام العالم أجمع.

من جانب آخر، بدا أن صفقة صواريخ الباتريوت التي تحدثت عنها أمريكا مع تركيا، وكذلك تسليم القس الأمريكي وإعادته لبلاده، لم تؤت ثمارها في الحصول على ضوء أخضر لتركيا لتحقق كل أحلامها دفعة واحدة، فاصطدمت بجدار الحكمة العربية والتروي الدولي الذي يسعى جاهداً للتخفيف من وطأة الحروب والاتجاه نحو تقليصها، قدر المستطاع.

مما لا شك فيه، أن مسألة الأكراد، وإذا لم تضمها الدولة السورية تحت جناحها، بشكل أو بآخر، ستبقى ورقة إسرائيلية، وسيضطر الرئيس التركي، الذي يحاول إظهار خلافه مع إسرائيل، إلى التنسيق العلني أو السري لأخذ التصريح أو العمل المشترك في شمال شرق سوريا، بغطاء إيراني- روسي أو من دون، لكن موسكو، وبالرغم من حروبها الباردة التي تدفع دائماً إلى اللاحرب واللاسلم، لا تكترث بالأحلام الأردوغانية كثيراً، بل تسعى إلى استثمار كل هفوات الأطراف وتوظيفها بحكمة تخدم مصالحها، وستظل تراقب التخبط وتتدخل في الوقت المناسب، أما إسرائيل، فجل تركيزها حالياً، هو منع إيران من التمدد وترسيخ وجودها العسكري عند حدودها، بأي ثمن.

قد يكون الثمن باهظاً، وقد يدفع آلاف الأكراد حياتهم لحماقة قد تُرتكب، مع أن الأولى للجميع هو أن تعود سوريا الطبيعية بحدودها الدولية إلى الحضن العربي، من دون تدخل من أحد، خاصة إيران وتركيا وقطر، وأن تكون النوايا الحقيقية الطيبة هي تخليص سوريا من الإرهاب، وليس دفع المزيد منه إلى الساحة المتعبة والمثقلة بالدماء.

* كاتبة وإعلامية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات