العلاقات المصرية ـ الأمريكية استراتيجية ولكن!

ربما تكون زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو القاهرة يوم الخميس الماضي من أنجح الزيارات التي شهدتها العلاقات المصرية ـ الأمريكية منذ زمن طويل، لأنها أكدت قناعة الإدارة الأمريكية بصدق توجهات السياسة المصرية تجاه العديد من القضايا، خاصة قضية الإرهاب، والصراع الدائر في عدد من دول المنطقة مثل سوريا، وليبيا، واليمن، والعراق.

اعتراف وزير الخارجية بالخطأ الذي وقعت فيه الإدارات الأمريكية السابقة تجاه ما حدث في مصر وفي المنطقة كان صريحاً وواضحاً، حينما أكد في كلمته بالجامعة الأمريكية أن أمريكا كانت غائبة بصورة كبيرة عن المنطقة، وأن القادة الأمريكيين أخطأوا في قراءة التاريخ، والحكم على أحداث المنطقة، مما كانت له تأثيرات سلبية على حياة الملايين من الشعب المصري وشعوب المنطقة.

وقعت أمريكا في فخ مساندة ما سمي بـ«الثورات العربية»، وساندت الفوضى التي اجتاحت المنطقة كلها، في محاولة منها لنشر سيناريو «الفوضى الخلاقة» الذي أطلقته على لسان وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس.

مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية الحكم في مصر بدأت الأمور تعود إلى مسارها الطبيعي، إلى أن تولى الرئيس ترامب السلطة في أمريكا واعترف بخطأ الإدارات الأمريكية السابقة في التعامل مع ملفات المنطقة التي أدت إلى انهيار العديد من دول المنطقة، وإشعال نيران الحرب الأهلية فيها عكس ما كان يتم الترويج له من شعارات لم تظهر على أرض الواقع.

قدوم وزير الخارجية الأمريكي إلى مصر ومباحثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي وتأكيده أهمية الشراكة الإستراتيجية المصرية ـ الأمريكية، وأهمية الدور المصري المحوري في دعم استقرار منطقة الشرق الأوسط، يأتي في إطار مرحلة التحول التي تعيشها السياسة الأمريكية الآن تجاه الأحداث في المنطقة، وتوجهها نحو خلق حالة من الاستقرار في المنطقة بعد فترة العواصف التي اجتاحتها، وتحول الثورات إلى فوضى اقتلعت الأخضر واليابس في العديد من الدول، وكادت أن تعصف بمصر لولا يقظة الشعب المصري وتلاحمه مع قواته المسلحة في إنقاذ مصر من الانهيار.

العلاقات الإستراتيجية مع أمريكا لا تمنع من أن يكون لمصر موقف ثابت وواضح تجاه الأحداث في المنطقة، حتى إن اختلف هذا الموقف مع الموقف الأمريكي، خاصة الموقف من القضية الفلسطينية الذي تشدد مصر عليه دائما، وتلتزم به، ويقوم على ضرورة التوصل إلى حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية.

الميزة الأساسية للرئيس عبد الفتاح السيسي أنه لا يكرر أخطاء الآخرين، حيث عانت السياسة الخارجية المصرية فترات طويلة الاستقطاب الشديد، فهي إما تكون شرقاً أو غرباً، وهكذا استمرت هذه السياسة الأحادية الجانب حتى جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي لينهي هذه الصيغة تماماً، وتصبح مصر شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لها علاقات شديدة التميز مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي بالقوة نفسها، وربما أكثر في بعض المجالات.

هذه الصيغة أعادت التوازن إلى السياسة المصرية، وجعلت منها قبلة تتجه إليها دول العالم المختلفة، وجعلتها أكثر قوة في التفاوض مع القوى الدولية المختلفة.

مصر لها موقف واضح ومستقل في العديد من قضايا دول المنطقة، حيث كان الرئيس عبدالفتاح السيسي أول من طالب بضرورة الحفاظ على الدولة السورية من السقوط والانهيار، وترك الشعب السوري يقرر مصيره بعيداً عن التدخلات الأجنبية في شؤونه، وترك مصير الرئيس السوري بشار الأسد للشعب السوري نفسه.

مكافحة الإرهاب تقتضي ضرورة دعم دول المنطقة خاصة مصر، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وعبور تلك الفترة الزمنية الصعبة التي يعانيها الاقتصاد المصري بسبب تداعيات سنوات الفوضى والانفلات التي ضربت الاقتصاد في مقتل، خاصة في ظل ارتفاع فاتورة مكافحة الإرهاب.

أيضا فإنه على الجانب الآخر يجب أن تعود أمريكا إلى صيغة «الوسيط النزيه» في مفاوضات السلام العربية ـ الإسرائيلية، والعمل على تحقيق حلم إقامة الدولتين (فلسطين وإسرائيل) على حدود 1967، وطبقاً لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن.

نتمنى أن تكون زيارة مايك بومبيو القاهرة خلال الأسبوع الماضي واعترافه بأخطاء السياسة الأمريكية في المنطقة بداية جديدة تتبعها خطوات أخرى، لاستئصال شأفة الإرهاب من المنطقة وإحلال السلام العادل والشامل على كل شعوب المنطقة، وتحقيق حلم إقامة الدولتين (فلسطين وإسرائيل)، بما يؤدي إلى وقف نزيف الدم، وتحقيق السلام للأجيال المقبلة.

* رئيس مجلس إدارة الأهرام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات