«مو صلاح» وصناعة الأمل

عقود طويلة مضت دون أن يكون لصغار السن وصغيراته قدوة أو نموذج يحتذى أو مثل أعلى يعتد به. درسوا في كتب التاريخ شخصيات لا أول لها أو آخر، بعضها حققها انتصارات والبعض الآخر جاء بويلات، وفريق ثالث مر حافراً اسمه في سجلات الأمم. أحب الصغار بعضها، وكرهوا البعض الآخر، ولم يتبقى في أذهانهم بعد امتحانات نهاية العام سوى البعض منها. إنها سنة المذاكرة من كتب التاريخ المقررة.

صحيح أن المناهج في بعض الدول العربية عبرت عنق زجاجة الملل والسأم، ودول أخرى تعافر من أجل خروج آمن دون إلحاق مزيد من الضرر لذاكرة الصغار واستعدادهم للاختزان والاطلاع، لكن تبقى الشخصيات المؤثرة فيهم والقادرة على إحداث التغيير الحقيقي المرجو في تشكيل الصغار وتطلعاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم المستقبلية قليلة جداً.

ربما أخذت الشبكة العنكبوتية من جيل الألفية أو ما يطلق عليهم

Generation z أكثر مما أعطت لهم. فقد أخذت الشبكة منهم سنوات العمر الأحلى والأنشط والأصح والأجمل. أعطتهم معلومات واطلاع وقدرة على الانتقال بين ربوع الكون وأرجائه، لكنها حرمتهم القدرة على التجوال الفعلي واعتبار هذا مثلاً أعلى وذاك قدوة ونموذجاً يحتذى.

لكن الحقيقة أن محمد صلاح كسر قواعد الألفية وضرب عرض الحائط بقيود الشبكة العنكبوتية. ها هو صلاح بشحمه ولحمه وشعره المنكوش المحبب إلى قلوب الصغار يتحول قدوة ونموذجاً يحتذى. وهو بمواصفاته الجسدية التي لا تميل إلى المبالغة في الطول أو العرض أو الوزن، وعينيه الخجولتين رغم أنف الشهرة والثروة والانتشار، وابتسامته التي لا تكاد تفارق وجهه، وتسلل مشاعره المختلفة إلى وجهه دون أن يدري ليتحول كتاباً مفتوحاً لما يجول في قلبه احتل مكانة غير مسبوقة في قلوب الصغار والصغيرات.

فالقدوة أو النموذج المحتذى أو الأيقونة حين يخرج من إطار اللامعقول أو المبالغ فيه من «سوبر مان» أو «بات مان» أو «سبايدر مان» أو أقرانهم من النساء، ويكون أقرب ما يكون إلى المقاييس العادية التي تأتي بالأحجام المتعارف عليها يكون تأثيره عميقاً جداً. فهو يتحول من نجم في السماء غير قابل للنزول إلى الأرض والتفاعل عليها إلى نموذج قابل للتقليد والمحاكاة.

والمثير للانتباه في حالة اللاعب المصري العربي محمد صلاح هو أن الصغار يعتبرونه نموذجاً قابلاً للتحقيق والتفعيل، لا في مجال كرة القدم تحديداً، بل في الحياة ومناحيها المختلفة. الميزة الكبرى في القدوة محمد صلاح هو أن من اتخذوه قدوة اعتبروه دليلاً عملياً قابلاً للتنفيذ فيما يختص بتحقيق النجاح. ابنة صديق صحافي في الـ12 من عمرها حولت غرفتها إلى متحف صور وملصقات ومسيرة نجاح «مو صلاح». هي ليست مفتونة بكرة القدم، لكنها تتابع كل مبارياته بتركيز شديد واهتمام بالغ.

وحين سألها أبواها عن سر الإعجاب البالغ طالما هي ليست من محبي اللعبة من الأساس، قالت بحكمة بالغة: «أريد أن أنجح مثله». الصغيرة تود أحياناً أن تكون طبيبة أطفال، لكنها تلحق حلمها بعبارة «لكن شرط أن أكون مختلفة في نجاحي مثل صلاح». وفي أحيان أخرى تجدها تود أن تكون مهندسة تبني مباني وعمارات، لكنها أيضاً تضيف عبارة شرطية «لكن أبنيها بوجهة نظر مختلفة تضيف إليها بعداً معمارياً جديداً كما أضاف صلاح لكرة القدم».

كرة القدم كانت وستظل منبعاً ومحركاً لأحلام الصغار عبر أيقوناتها ونماذجها الناجحة. فهي اللعبة الشعبية الأولى في الغالبية المطلقة من بلدان العالم. وهي المجال الأكثر استقطاباً للمواهب الصغيرة والشابة أيضاً على وجه الأرض. لكنها أيضاً اسم على مسمى. إنها ساحرة مستديرة. لا تتوقف عن السحر والابتكار والانفراد.

انفراد مصر وشقيقاتها من الدول العربية بـ«مو صلاح» أمر ليس هيناً أو عادياً. نحن محظوظون بصلاح، وأبناؤنا وبناتنا محظوظون به. وهو حتماً محظوظ بهذا الكم من الحب الحقيقي، والدعاء من القلب، والفخر غير المسبوق.

وحين تكرّمه مصر فإنها تكرّم ابناً من أبنائها حاول البعض الصيد في مياه التسييس العكرة مراراً دون جدوى. وحين يكرّمه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بمنحه جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للإبداع الرياضي، فإنه يكرّم ابناً من أبنائه العرب ممن حققوا ما يتحدث عنه دوماً من صناعة الأمل، وتفعيل السعادة، وصناعة القدوات للأجيال الجديدة، التي هي أمل العرب الوحيد المعقود على المستقبل.

مستقبل العرب في ظل بزوغ قدوات من نوع خاص، ونماذج تحتذى فعلاً لا حلماً يحمل الكثير من الخير المرتكز على واقع ملموس. وتواتر قصص النجاح وحكايات الأمل وعربياً يعني أننا سائرون على الطريق الصحيح. قد نتعثر حيناً، وقد نتأخر أحياناً، لكن نماذج الأمل وقدوات النجاح تضعنا على الصراط المطلوب دائماً.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات