«دبي الفاضلة» والحكم الرشيد

لقد نال الفيلسوف اليوناني أفلاطون، مكانة وشهرة لم يحظ بهما فيلسوف مثله...! والسبب محاوراته التاريخية التي ضمنها كتابه (الجمهورية)، وكانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية وضع فيها أفكاره حول (المدينة الفاضلة) على لسان الشخصية الرئيسية فيها (معلمه سقراط)، وليست السعادة حسب أفلاطون شأناً شخصياً بقدر ما هي قضية تتعلق بالمدينة ككل. إذ يرى أنه لا يمكن تحقيق الكمال إلا في مدينة محكمة التنظيم.

فكما يوجد انسجام بين النفس العاقلة والنفس الغاضبة، فإن المدينة كذلك يجب أن تنقسم إلى قادة يسيّرون شؤونها العامة، وجنود يسهرون على الأمن، ورعية تقوم بالأعمال الأخرى الضرورية مثل الفلاحة والصناعة إلخ، فبذلك تتحقق العدالة- وتزدهر الدولة- ومن ثم نترك لكل طبقة أن تتمتع بالسعادة بحسب ما تؤهلها لذلك طبيعة عملها وحياتها.. ونحن في دولتنا الإمارات الفتية نستهدف جلب السعادة لجميع المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، كما هي السعادة عند أفلاطون، سعادة المدينة ككل، والتي تتحقق بالانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها.

في القمة الحكومية التي عقدت في دبي عام 2016، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن استحداث منصب جديد في الحكومة تحت مسمى «وزير الدولة للسعادة»، مهمته الأساسية مواءمة كل خطط الدولة وبرامجها وسياساتها لتحقيق سعادة المجتمع.

إن المفاهيم العامة لـ "الحكم الرشيد" تقوم على تحقيق إسعاد الشعوب، واهتمام قيادتنا بأن يكون شعب الإمارات أسعد شعوب العالم، أمر فرض نفسه على أرض الواقع كما يراه الكثير من أبناء الوطن، بما عبّروا عنه للإعلام وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة بعد أن حصلت دولة الإمارات على المركز الأول في مؤشر السعادة من قبل تقارير الأمم المتحدة.

لقد استنهض صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله.. حكومات العالم لإسعاد شعوبها؛ وهو الأمر الذي بات جلياً، فيما تناولته الصحف العربية والأجنبية وقتها.. إن «وثيقة الخمسين» التي أطلقها سموه تتضمن تسعة بنود تضم جوانب من رؤية سموه لمدينة دبي المستقبل والحياة التي يتمناها لكل من يعيش في مجتمعها.

حيث قال سموه:. «هذه وثيقة سنوية، أسميتها وثيقة الخمسين، تيمناً بمرور خمسين عاماً على تولي أول مسؤولية لي في خدمة هذا الشعب، وتفاؤلاً بخمسين عاماً مقبلة نستطيع فيها تحقيق: «مدينة فاضلة كاملة»، يحكمها القانون، وتسود فيها روح الرحمة والمحبة، ويعيش أهلها في انسجام وتسامح، وتتميز الحياة فيها بالسهولة والرخاء، وتتمتع أجيالها القادمة بالفرص والبيئة الحقيقية لتحقيق كافة أحلامهم وطموحاتهم».

«وثيقة الخمسين» قسّمها سموه إلى تسعة بنود، تسهيلاً للتنفيذ، والمتابعة، والمحاسبة. ومن ضمن بنودها:

«إنشاء أول منطقة تجارية افتراضية في المنطقة»، حيث سيتم منح رخص تجارية من دون اشتراط الإقامة في دبي، مع فتح حسابات بنكية ومنح إقامات إلكترونية، وذلك وفق أعلى الضوابط القانونية الدولية.

تستهدف 100 ألف شركة في المنطقة الافتراضية.. هدفها أن يكون فتح شركة في عالمنا العربي أسهل من فتح حساب بريد إلكتروني، وكما قال سموه: «لقد أضحت دبي الآن محطة بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وقدرها أن تكون مطار العالم وميناءه الرئيسي، وطريقاً حريرياً طبيعياً، بحكم موقعها وتطوّرها، بما يشهد على تجربة فريدة يُنظر إليها دائماً على أنها نموذج يُحتذى به، بُنيت تلك التجربة على أسس متينة انطلقت من الاستثمار في الموارد البشرية في المقام الأول، حتى صارت مركزاً سياحياً ومالياً عالمياً ملء السمع والبصر».

إن دبي التي تصنّف الآن ضمن مُدن: «الغد والمستقبل».. حلت في الفترة الأخيرة، ضمن أفضل 10 مدن في العالم لعام 2019 حسب تقرير مؤسسة ريزونانس للاستشارات العالمية.

وكانت دبي المدينة العربية الوحيدة ضمن العشرة الأوائل على القائمة، والتاسعة في الترتيب العالمي بعد كل من لندن وباريس ونيويورك وطوكيو وبرشلونة وموسكو وشيكاغو وسنغافورة على الترتيب، متفوقة على: «سان فرنسيسكو الأمريكية التي حلّت في المركز العاشر».

وقيّمت ريزونانس للاستشارات جودة المدن العالمية في أحدث تقاريرها لعام 2019، على أساس المدن التي يعيش بها أكثر من مليون نسمة، مستخدمة مجموعة من العناصر للقياس تشمل الأداء الإحصائي وتقييم الجودة في استطلاع للسكان المحليين والوافدين في 24 مجالاً مختلفاً مقسمة إلى ست فئات، تضم جودة المكان (البيئة الطبيعية والمبنية) والمنتج، والبرامج والسكان والرخاء والترقي.

وحلّت دبي في المركز الثاني في جودة المكان والرابع في الترقي (سرعة التحسّن). وتصف «بلومبرغ» هذا التقرير لأفضل مدن العالم بأنه الأكثر شمولية. ويحدد التقرير جودة المدن أيضاً على أساس رغبة سكانها للعيش فيها من مواطنين ووافدين ورجال أعمال، وليس من جانب وجهة نظر سياحية.. نعم هذه هي دبي: «مدينتنا الفاضلة- صاحبة الحكم الرشيد».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات