قرار ياموسوكرو

يقول الكاتب الأمريكي الراحل أوليفر هولمز«الشيء الأساسي في هذا العالم، ليس إلى أي مكان قد وصلت الآن، بل إلى أي اتجاه تتقدم». ياموسوكرو، العاصمة السياسية الإيفوارية، وتعني باللغة الباولية قرية الملكة، وتعتبر من أهم المدن العاجية، وتكمن أهميتها، بارتباط اسمها بأهم قرار رأى فيه المواطن الأفريقي بداية لتحرر أفريقيا، ونهاية لقوارب الهجرة غير الشرعية، وطريقاً مُمهداً للقضاء على البطالة المُميتة، التي أقبرت أحلاماً وطموحات طالما داعبت خيال أجيال قد مضت، ألا وهو قرار ياموسوكرو.

ودعت القارة الأفريقية عام 2018، بالعديد من الملفات الاستراتيجية العالقة، والتي يُطلق عليها في أفريقيا، الفرص الضائعة، ويأتي على رأسها ملف الفضاء الأفريقي الموحد.

عندما نتحدث عن مشروع السوق الأفريقية الموحدة للطيران، لا بد أن ندرك حجم العقبات التي صاحبت ذلك المشروع الحيوي، وكأنه أريد له أن يُحارب من الداخل الأفريقي، وهنا يكمن التحدي، فكلنا نتذكر وقفة الأمين العام الأسبق لشركات الطيران الأفريقية، كريستيان كوسي، في مؤتمر وزراء النقل الأفارقة في جنوب أفريقيا، غاضباً من قلة الرحلات المُباشرة بين العواصم الأفريقية، ومُحذراً من المُنافسة غير العادلة التي تُمارسها الشركات الأوروبية ضد الطيران الأفريقي، وداعياً إلى تأسيس صندوق للتنمية، من أجل التوسع في شركات الطيران الأفريقية، وإعادة هيكلة صناعة الطيران، بعد أن أصبحت الخطوط الجوية الفرنسية، هي الحلقة الجوية الوحيدة التي تربط الغرب الأفريقي بالعالم.

ففي عام 1999، اتفق وزراء الطيران الأفارقة، على تحرير سوق النقل الجوي الأفريقي، الذي يعد أحد أهم مشاريع الاتحاد الأفريقي، لتحقيق رؤيته لعام 2063، وتمهيداً لتنفيذ المشاريع الأفريقية المستقبلية، مثل الجوازات الأفريقية الموحدة، وحركة الأشخاص الحرة، وتعزيز دور قطاع الطيران في تنمية البلدان غير الساحلية، فجاء الإعلان عن قرار ياموسوكرو، ليكون أرضية صلبة، يتكئ عليها تأسيس النقل الجوي الأفريقي الموحد، ولكن ذلك القرار، للأسف، لم يُنفذ، وما زالت الدول الأفريقية تمنح بعضها البعض حقوقاً في مجال النقل الجوي على أساس ثنائي.

وهذا ما فتح باب الانتقادات الموضوعية واللاذعة على مصراعيه مؤخراً، بعد أن تجنبت معظم الدول الأفريقية، التوقيع على مذكرة التنفيذ الخاصة بلجنة الطيران المدني الأفريقي، والتي تعتبر الوكالة المنفذة لشركة النقل الجوي الأفريقي الموحد، المعروفة اصطلاحاً بـ (ستام)، وذلك في مؤتمر الخدمات الجوية للطيران المدني الأفريقي، الذي عقد في العاصمة الكينية نيروبي في ديسمبر 2018، ما أعاق مستقبل سياسة الأجواء المفتوحة بين الدول الأفريقية.

ووضع الرؤية المستقبلية للنقل الجوي الأفريقي على المحك، وعرقل أجندات ما زال ينتظرها الشارع الأفريقي بكثير من الأمل، وبالرغم من أن هناك ثلاثة وعشرين عاصمة أفريقية انضمت إلى سوق النقل الجوي الأفريقي، إلا أن هناك ما يؤكد أن قرار ياموسوكرو افتقر إلى طابع التحرر، لأنه استلزم التفاوض بشأن الاتفاقيات الثنائية لخدمات النقل الجوي، ولم يطرأ على الربط الجوي للقارة الأفريقية تحسن كبير.

يحاول الأفارقة الآن، ومن خلال الجمعية العامة للمنظمة الأفريقية للطيران المدني (الأفكاك)، إلى دعم المجال الجوي، خاصة أن شركات الطيران الأفريقية، ما زالت حصتها ضعيفة، مقارنة بدول العالم، ويرجع السبب في ضعف الطيران الأفريقي، وعدم قدرته على استقطاب عدد من المُسافرين، هو عدم تنفيذ قرار ياموسوكرو، وهو ما جعل شركات الطيران تفقد الكثير من حصة سوق النقل الجوي في أفريقيا والعالم، أضف إلى ذلك أن دول الاتحاد الأوروبي، تحفظت على عدد من شركات الطيران الأفريقية.

وهذا ما يفسر عدم قدرة الطيران الأفريقي من التحليق في الأجواء الأوروبية، بحجة عدم توفر شروط السلامة والأمن، كما أن العائدات التي يسهم بها الطيران الأفريقي في الناتج المحلي لأفريقيا، لا ترقى إلى مستوى الموارد الأفريقية الأخرى، ومن جانب آخر، بدأت بعض شركات الطيران الأوروبية، مثل شركة ترانسافيا، في تسيير رحلات طيران ذات تكلفة منخفضة إلى الدول الأفريقية، ما يُضاعف فرص منافسة شركات الطيران الأفريقية مُستقبلاً.

يهدف الاتحاد الأفريقي اليوم، إلى تطوير فكرة المجال الجوى الفردى، ويقصد بالمجال الجوي الفردي، كأن تقوم مثلاً الخطوط الجوية الكاميرونية، بتسيير رحلات من مطار لندن هيثرو، إلى لوس آنجلس بالولايات المتحدة، تماماً مثلما تسير الخطوط الجوية البريطانية رحلة من أمستردام بهولندا إلى شيكاغو بالولايات المتحدة.

إلا أن أفريقيا لا يمكنها أن تنهض إلا بتنفيذ قرار ياموسوكرو، ما سيطور السياحة والاقتصاد الأفريقي، وسيُسهم بزيادة إجمالي الناتج المحلي السنوي، وسيجعل شركات الطيران الأفريقية أكثر مُنافسة وأكثر تنوعاً أمام الشركات العالمية صاحبة الشعار الشهير: «أيها الأفارقة، لا تحدثونا عن مشاكلكم، فقط أعطونا كل الذهب».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات