جدول أعمال مقترح للقمة العربية المقبلة

أما وقد انتهت تحركات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وفوضاه باستيلاء جماعة الإخوان الإرهابية عليها، وإصرارها علي المضي قدماً، بشرهها الذي لا سقف له للسلطة، لجلب الدعم الدولي لاستمرار وجودها في المشهد السياسي في المنطقة العربية، لتنفيذ برنامجها بإقامة دول دينية فاشية، تحتكر الحق في التحدث باسم مقدسات الأمة، رغم الخراب الذي ترافق مع مثل هذا الوجود، وبزعم كذبته بحار الدماء التي أسالتها منذ نشأتها وحتى اليوم، أنها من الحركات الدينية المعتدلة، برغم تناسل كل حركات الإرهاب الجهادي من القاعدة إلى داعش وما بينهما من معطفها.

أما وقد حدث ذلك، ومازال يحدث، فقد بات من الضروري أن تتصدر في الواجهة قضية إعادة بناء الأمن القومي العربي، بما يتيح لدول المنطقة الفرصة للحفاظ على الدولة الوطنية، وتحقيق أهدافها في النمو والاستقرار واستقلال الإرادة السياسية، دون تعرض لمخاطر التدخلات الخارجية، التي طالما وظفت قوى داخلية لتكريس تدخلها.

ففي ليبيا تصر البعثات الأممية على إدراج جماعة الإخوان في السلطة القادمة بادعاء أنها جماعة مدنية، تدافع عن الشرعية التي تكتسب من صندوق الاقتراع، وعلى اجراء انتخابات غير مضمونة النتائج في ظل أجواء مضطربة، لن تنتهي في الأغلب سوى بسيطرة الجماعة على السلطة.

وفي مكاتب أجهزة المخابرات الدولية ومراكز البحوث الغربية المشكوك في حيادها مهنيتها وفي مصادر تمويلها، لا تكف عن الإشادة بالتجربة التونسية المتعثرة، والتي أدخلت تونس على مدار ثماني سنوات بسبب مناورات حركة النهضة الإخوانية، في حالة من البؤس والفوضى والتدهور الاقتصادي والأمني، وهو ما قاد قوى مدنية للمطالبة بحظر نشاطها ومقاضاتها لقتل المعارضين السياسيين لمشروعها الديني.

كما لا يتوقف بنفس الدرجة حجم الثناء المبالغ فيه، في مشاركة الإخوان في الائتلاف الحاكم في المغرب، برغم التهم التي توجه إليهم بإشاعة مناخ التزمت الديني والاجتماعي الذي يقود إلى جرائم قتل وعنف غير مسبوق في البلاد.

يعكف الآن المندوبون الدائمون في الجامعة العربية على إعداد جدول أعمال القمة العربية الدورية التي ستعقد مارس المقبل في تونس.

ولكيلا نكرر ما سبق أن جربناه دون جدوى، بمناقشات وتوصيات ويتم تجاهلها بمجرد جفاف الحبر الذي كتب بها، فإن النظام العربي مطالب اليوم قبل الغد بإطلاق نوبة صحيان تؤدي إلى قصر القمة العربية المقبلة على بند وحيد، هو إعادة بناء الأمن القومي العربي، في عالم بات يحفل بسرعة المتغيرات وانقلاب التحالفات، والتدافع لجني المكاسب من الضغط على بلداننا، والسعي لتقاسمها، ونهب ثرواتها، بترسيخ قوى زرع الفوضى، لتعزيز فرص التدخل الدولي في شؤونها وفرض أجندات غير وطنية عليها!

بند واحد في جدول أعمال القمة العربية القادمة ينطوي على اتفاق بين أطراف النظام العربي على سعي الحكومات العربية لتهيئة المناخ لمشاركة شعوبها في صياغة بنوده، لمنع تجار الأزمات من التلاعب بمصير المنطقة، بما يمهد لفرض رؤى خارجية لحلول مشاكلها، تحقق مصالح من يفرضونها. وأولى نقاط ذلك الاتفاق هو الخروج من القمة بمشروع عربي صرف لتسوية النزاعات القائمة في المنطقة.

ولمن يضعون التوصل لمثل ذلك المشروع في باب المستحيلات، بسبب التدخلات الإقليمية والدولية في قضايا المنطقة، أقول إن تغيير السياسات التي تضع الشعوب العربية في قلب المعادلة-ولا أقول على رأسها- من شأنه أن يفتح ثغرة في أعتى المستحيلات.

فالمشاركة الحرة بين الحكومات والشعوب العربية هي وحدها الكفيلة بحماية الأمن القومي العربي. لكن ذلك يظل مرهوناً بالقدرة على تطوير النظام السياسي العربي على قاعدة بناء دولة المواطنة التي تحقق المساواة التامة بين مواطنيها، وتطبق مبدأ التكافؤ دون استثناء في القيام بالالتزامات العامة.

هذا بالإضافة إلى إشاعة مناخ ديمقراطي يصون حق الشعوب في اختيار السياسات التي تخدم مصالحها، وتكفل حرية الرأي والتنظيم والتعبير والفكر والعقيدة، وتبني دولة المؤسسات والحق والقانون، وتحفظ استقلال القضاء، وتفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتقود مشروعاً تنموياً يلبي لتلك الشعوب قدراً من عدالة العيش بأمن وكرامة.

وقبل ما سبق وبعده، فلم يعد هناك بديل للقدرة على البقاء ومواجهة المخاطر وتحديات عالم اليوم، بغير نظام سياسي، يفصل بين الدين والسياسة وليس بين الدين والمجتمع كما يروج المتاجرون بالدين، حتى يشرع الناس بأنفسهم لأنفسهم بما يتوافق مع متغيرات العصر والزمان، ويعلي من القيم الإنسانية والحضارية العليا للدين الإسلامي.

مشروع للتلاحم الخلاق بين الحكومات والشعوب العربية، لن نفقد الأمل بأن يكون هو وحده جدول أعمال قمة تونس القادمة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات