دور الدعاة في تعزيز التسامح

التسامح خلق عظيم، يدفع الفرد لحسن التعامل مع الآخرين، والتحلي معهم بروح العدل والفضل، بإعطاء كل ذي حق حقه، والزيادة على ذلك بالبر بهم والإحسان إليهم، وتحرص دولة الإمارات على تعزيز هذا الخلق الكريم في المجتمع منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وهنا يأتي دور مختلف شرائح المجتمع لترسيخ هذه القيمة الأخلاقية، وممن ينبغي أن يعتنوا بهذا الباب عناية فائقة الدعاة إلى الله تعالى، لما للخطاب الديني من أثر كبير في القلوب والنفوس.

وأول ما ينبغي على الداعية تجاه ذلك أن يتحلى بخلق التسامح في نفسه، ويجعله خلقاً مستديماً له في تعامله مع الناس، سواء في واقعه العملي أو في الفضاء الإلكتروني في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ليوافق قولُه عملَه، ويكون قدوة للآخرين في سلوكه، ويكون لخطابه تأثير وقبول، فإن التسامح سبب لإقبال الناس وتأثرهم، وعدم التسامح سبب لنفورهم.

قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، فالداعية الرباني يتحلى برحابة الصدر، وسعة التحمل، كالطبيب المشفق والمعلم الرحيم، متسامياً على حظوظ النفس، والانتصار لها، مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان قدوة للناس في سماحته وسعة صدره وعفوه وصفحه، حتى فتح الله به القلوب، وأنار به العقول، وأقام حضارة لم تشهد البشرية نظيراً لها.

ومما ينبغي على الداعية أيضاً في هذا الباب إبراز سماحة الإسلام من خلال دروسه ومواعظه وخطاباته وكتاباته، فالإسلام دين الرحمة والتسامح، جاء لتحقيق المصالح للعباد، ودفع المفاسد عنهم، وهو خطاب رحمة ومصلحة كله، وهو في غاية الحسن والكمال في أهدافه ووسائله.

وفي الحديث: «بُعثت بالحنيفية السَّمحة»، فيحرص الداعية على تسليط الضوء على المخرجات الشرعية التي تعزز التسامح، سواء عند تفسير الآيات القرآنية، أو شرح الأحاديث الشريفة، أو عرض السيرة النبوية، أو إلقاء المواعظ الأخلاقية، أو بيان المقاصد الشرعية، فيكون خطابه التوعوي مطعَّماً بإبراز الجوانب الشرعية المشرقة عموماً وجانب التسامح خصوصاً، ليكون رافداً مهماً لتعزيز التسامح في المجتمع.

ويتأكد مثل هذا الطرح أكثر في الخطاب الديني الموجه لغير المسلمين، ليبصروا حقيقة الدين الإسلامي بجماله وكماله، وتنقشع عنهم أي غشاوة بسبب إعلام مضلل أو تنظيمات متطرفة، فلا يخفى ما تسببت به الجماعات المتطرفة من إساءات وجنايات على الدين الإسلامي، وأعطت رسائل سلبية وانطباعات سيئة عنه، وواكب ذلك استغلال بعض وسائل الإعلام للجرائم الإرهابية لتغذية الإسلاموفوبيا، وانخداع بعض الناس بها، ما يحتم على الداعية التصدي لهذا التشويه بإبراز قيم الإسلام الصحيحة، وخاصة قيمة التسامح.

وقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بسد ذرائع تشويه الإسلام عناية كبرى، حتى إنه امتنع عن معاقبة ابن سلول رأس المنافقين في زمانه قائلاً: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، فهذه رسالة نبوية لسد ذرائع تشويه الإسلام، والعناية بالآثار الإعلامية للخطاب الديني، بأن يحرص الداعية على ألا يتحدث الناس عن الإسلام بسوء، بألا يكون هو أولاً سبباً في ذلك، بسوء أخلاقه أو سوء عرضه للخطاب الديني، وبأن يعزز الخطاب المشرق الذي يُظهر سماحة الإسلام ويدفع الافتراءات عنه ثانياً.

ومما ينبغي على الداعية في هذا الميدان كذلك التصدي لمهددات التسامح، كالتعصب والكراهية والطائفية والتطرف والإرهاب والأفكار الهدامة والمنحلة التي تهدم صرح الأخلاق وتغرس الأنانية المفرطة وتكرس روح الصراع من أجل المنافع الشخصية، وأن يقوم برد شبهات المتطرفين على اختلاف ألوانهم، وتفنيدها بالحجة والبرهان، ليكون جدار حماية للمجتمع من الأفكار المناهضة للتسامح، ويكون خطابه الديني خطاباً وقائياً وعلاجياً تجاه هذه المهددات.

وتتأكد العناية بهذا الباب مع وجود دعاة الفتن، الذين يحاولون استغلال عاطفة الناس الدينية وغيرتهم لتغذيتهم بأفكارٍ مغلوطةٍ إفراطاً أو تفريطاً، مستثمرين طرق الجذب وأدوات الاتصال المتنوعة، فعلى الداعية أن يعالج ذلك بتقديم الخطاب المعتدل السمح، الذي يقوم على صحيح الدين، مع استثمار وسائل التأثير والاتصال أحسن استثمار، ليجتمع جمال الحق مع جمال الأسلوب والعرض، فيكون التأثير أبلغ والوصول أقوى.

ومن أهم ما ينبغي على الداعية كذلك الحرص على معززات التسامح في المجتمع، ومن أهمها الأمن والاستقرار، فإن الاستقرار إذا فُقد انفتح باب الفوضى، وانفرط عِقْدُ التسامح، وتراكمت في السماء غيوم الصراع والشقاق لتحجب شمس التعايش والوئام، ومما يحقق الأمن والاستقرار الالتفاف حول القيادة الحكيمة، وتعزيز لحمة المجتمع، ليكون الجميع يداً واحدة، وخاصة في الأحداث والفتن، فمتى كان صفهم الداخلي قوياً تمكنوا من التفرغ للتنمية بمختلف صورها، ومنها التنمية الأخلاقية وعلى رأسها التسامح والتعايش.

وأخيراً فإن تعزيز التسامح في المجتمع مسؤولية مشتركة، يتطلب جهوداً متكاتفة، يساهم فيها الجميع صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً، لترسيخ مجتمع متسامح، يتعامل فيه الجميع مع بعضهم ومع الآخرين بالعدل والفضل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات