عام تعليم التسامح

بينما كان عائداً من عمله في ساعة متأخرة، ويبدو أنه غفل لثانية، وجد نفسه وقد استقرت سيارته أعلى سور حديقة بيت في أول الشارع، وذلك بعد ما كسر شجرتين ودمر عمودي إضاءة. لم يتنبه أحد لما جرى، وكان في إمكانه أن يمضي دون أن يستوقفه أحد، فقد كان الجميع نياماً. ظل يبحث عن خفير أو موظف أمن إلى أن عثر على من أعطاه رقم هاتف صاحب البيت. أرسل له رسالة صوتية تخبره بما جرى، مع أسف واستعداد تام لسداد كلفة الخسائر. وحين استيقظ صاحب البيت، وكان قد انتهى من بناء السور الجديد قبل أيام قليلة، وكلفه الكثير، وفوجئ بالمشهد التراجيدي، هرع إلى هاتفه ليبلغ الشرطة. وجد الرسالة، وبعد ما كانت درجة حرارة غضبه قد تعدت المئة، هدأ واستراح وهاتف الرجل ليطمئن عليه أولاً، ثم أكد له من قلبه أنه «مسامح».

وقد سمحت الظروف التربوية والتعليمية وعوامل التنشئة لكل منهما أن يتصرف بطريقة تجعله مسامحاً متسامحاً. والتسامح هنا لا يعني التهاون في الحقوق أو التساهل في الواجبات، لكنه يعني الحلم والصفح وقبول الاختلاف. وما مصائب العالم من حولنا وكوارثه وأزماته إلا أشكال مختلفة من التعصب والتشدد والتزمت والرعونة، وجميعها أضداد لكلمة «تسامح».

وعقب ما يسمى بـ«ثورات الربيع العربي» بزغ شكل جديد من أشكال التعصب والرعونة في دولنا. الأبناء الصغار الذين «أشعلوا» فتيل الغضب لم يتسامحوا مع الكبار. فما أن بدا إنه نجاح آني ونصر لحظي، حتى سارع البعض من الأبناء إلى نبذ الآباء. وظهرت أغنيات تسخر من الكبار سناً، وكُتبت أبيات شعرية وصل بعضها إلى درجة مطالبة الشيوخ والكهول بالتوجه إلى القبور ليسمحوا للصغار بالحياة. صحيح أن هذه الأشكال «الفنية» اعتمدت على الرمز في توصيل فكرة أن الكبار جثموا على أنفاس الصغار لعقود ما سلبهم حق الترقي والتطور وتحقيق الأحلام، إلا أن شعوراً عارماً بعدم التسامح ظل مهيمناً على أجواء ما بعد الأحداث.

ومن أحداث التغيير وما بدا إنه ربيع، إلى حوادث الفتنة الطائفية حيث يهيمن على فئة شعور ما قوامه إنهم الأفضل والأرقى، بل وقد يتفاقم الشعور ليتحول إلى قناعة بأنهم وحدهم الماضون في طريق الصواب والموعودون بحسن الحساب. وقد يتطور ويدفع البعض إلى النظر للآخر باعتباره عبئاً ثقيلاً حبذا لو تم التخلص منه. هنا قد يتطور الأمر إلى جماعة قائمة على فكرة الفوقية الدينية، أو أخرى تمزج بين الفوقية الدينية والأحقية السياسية، أو ثالثة ذات توجهات داعشية تقتل وتسفك الدماء وتنشر الخراب لأنها ترفض وجود الآخر.

ورفض الآخر وتسفيه معتقده أو جنسه أو لونه أو شكله وغيرها من مظاهر وظواهر تحيط بنا ليست إلا نتيجة واضحة ومباشرة لتقلص مفهوم التسامح وربما غيابه تماماً. وهذا الغياب يبدأ من التعليم الذي تغيب عن مناهجه زرع قيمة التسامح وهذا العام 2019 بدأ بداية مبشرة في كل من مصر والإمارات. ففي مصر أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب السادس في يوليو الماضي أن عام 2019 هو عام التعليم. وهذا يعكس قناعة مصرية خالصة بأن إصلاح التعليم وما لحق به من عوار كبير على مدى عقود مضت هو المشروع القومي الأكبر في مصر، لأنه مشروع بناء الإنسان. وهل هناك ما هو أهم من بناء إنسان على قيم التسامح؟ وهل يمكن أن يأتي التسامح من مناهج جامدة، أو عقول متجمدة، أو أدمغة تعتبر التفكير محنة والإيمان بالقوالب الثابتة منحة؟

منحة عام التعليم في مصر معها هدية «عام التسامح» في الإمارات التي حولت التسامح إلى لغة للعيش وقبول الآخر واحترام الاختلاف إلى أسلوب حياة. 200 جنسية تمثل ديانات وأعراق ولغات تعيش على أرض دولة واحدة أعلن رئيسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، عام 2019 عاماً للتسامح. ولم يكن توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتشكيل لجنة وطنية لهذا العام لترسيخ قيم التسامح في المجتمع المتسامح أصلاً إلا تأكيداً وتفعيلاً لمحورية التسامح وقيمته التي من دونها يستعر العالم حرباً ويجتاح المجتمعات التشدد والتزمت ورفض الآخر.

ولأن رفض الآخر أو قبوله لا يحدثان بين ليلة وضحاها، أو يتوقفان على درس في منهج أو فقرة في برنامج، فإن التسامح بيئة وأسلوب حياة وطريقة تفكير. هي بذرة تغرس فتنمو وتكبر، فإن كانت رفضاً واستعلاءً وتشدداً طرحت ثمار الكراهية والانغلاق والاحتقان. وإن كانت قبولاً وتسامحاً واحتراماً، طرحت ثمار المودة والتعايش والانفتاح. وإذا كان الرائع جبران خليل جبران رأى «التسامح محبة أصابها التعالي»، فيمكننا أن نداويها لتصبح في العلالي.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات