استشراف المعجزات

ليست المعجزات دَيدناً للقادة الاعتياديين ولا حتى لمن يعتبرون أنفسهم تقدّميين أو ثوريين، لكنه دأب قادة يتقدم فكرُهم عجلة الزمن بأشواط، ويدركون بوعي عميق مردُّه النظرة الاستشرافية البعيدة وفِراسة الصحراء، ما ينتظر أمتهم في المستقبل، لا رجماً بالغيب، بل ثقة بربّهم أولاً، وإدراكاً لمكامن القوة في شعوبهم، ثمّ إخلاصاً وصدقاً في العمل واطمئناناً في القلب، وهذا هو ديدن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الحاكم الذي لا يستطيب الحياة إلاّ باجتراح المعجزات.

أتذكّر، قبل عشر سنوات، كيف دخل سموّه علينا دخولاً مفاجئاً ولكن بهدوء الواثق، في اجتماع كنت أحضره في مركز دبي المالي العالمي مع عدد من كبار المستشارين الدوليين، وقد أشار إلينا أن نكمل اجتماعنا كما لو لم يكن حاضراً.

كنت آنذاك حديث التعيين على رأس دائرة المالية، وريح الأزمة المالية العالمية تضرب أصقاع المعمورة شرقاً وغرباً، لكن دبي كانت مشغولة في التخطيط للمستقبل، مع انشغالها في دفع آثار عواصف الأزمة عنها. كانت توجيهات القائد تقضي بمواصلة العمل كالمعتاد، تماماً مثلما وجّهنا في ذلك الاجتماع الذي كنا نبحث فيه سبل تمويل بعض المشاريع المهمة في الإمارة، إلى مواصلة أعمال اجتماعنا كالمعتاد قبل أن يدعونا، باسماً بشوشاً بكرمه المشهود، إلى تناول طعام الغداء بمعيّته، وكأن الأمور طبيعية للغاية والأزمة المالية تحدث في كوكب آخر!

حضور سموّه الدائم في ميادين العمل وساحات البذل، سواء المخطط له أو المفاجئ، له دلالات عدّة، وفيما عدا عن الحرص على متابعة شؤون العمل وتقييم الأمور وضمان سلاسة سير الأحداث، كنت أجدُ في ذلك الحضور دافعاً قوياً للمضيّ قُدّماً، بل وكنت أرى سموّه بنشاطه وهدوئه، وحزمه وتصميمه، وكأن لسان حاله يقول «إنني واثق بربّي ومطمئنّ إلى شعبي وإلى قدرات بلدي وإمكانياته، وأريدكم أيها المسؤولون أن تكونوا واثقين مثلي وتعملوا بالاطمئنان نفسه».

عشرة أعوام مضت على الأزمة، شهدنا خلالها تقلبات وتحديات تصدّينا لها وتجاوزناها، وفيها أنجزنا عشر موازنات مالية لحكومة الإمارة، تضمّنت تمويل مئات المشاريع الحيوية، التي كان من أبرزها مترو دبي الذي تزامنت مراحله الأخيرة مع بدايات الأزمة، ولو تأخر أو تأجل إنجازه إلى ما بعد الأزمة، لربّما تكلّف أضعاف ما تكلّف. وقد واصلنا، منذ خرجت دبي من تداعيات الأزمة أقوى من أي وقت مضى، العمل في الإنفاق على تمويل المشاريع، كبيرِها وصغيرها، وضرب أسس جديدة للتنمية والتحديث في أنحاء الإمارة، كما حرِصنا على خدمة الدين العام مع الإبقاء على سياسة التوسع المدروس في المشاريع.

لطالما واجهنا في الأزمات والتحديات خيار التقلّص وتحمّل الصدمة والتعايش معها وتحقيق فوائد ملموسة ولكنها قصيرة الأمد، في مقابل خيار التصدّي للأزمة بالابتكار والعمل الجادّ والنظر إلى البعيد باستشراف المستقبل، لكنني لم ألمس لدى صاحب السمو الحاكم والقائد الواثق محمد بن راشد غير حبّه لمجابهة التحديات بروح الفارس الطموح.

وها هي دبي على مرأى العالم ومسمعه، قلبُها الخفّاق قلب للإمارات وللبشرية جمعاء، يستمدّ قوّته وعنفوانه، منذ أكثر من خمسين عاماً، من بُعدِ النظرة، وطموح الفكرة، وجسارة اتخاذ قرارات يرسم ملامحَها قائدٌ ديدنُه حبّ التفوّق واجتراح المعجزات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات