مُخاطرة مدروسة

رن هاتفي، وطُلب مني التحضير لتقديم عرض لأحد المشاريع التي عملت على تطويرها مع فريق عملي، على أن أكون جاهزاً للعرض خلال ساعة من الزمن. إلى الآن الوضع طبيعي، حتى تلقيت المفاجأة في مكالمة ثانية بعد الأولى بلحظات، حيث أُبلغت بمن سأعرض المشروع عليه.

هنا بدأت الأسئلة تتوافد تباعاً في مخيلتي، ماذا سيسأل؟ كيف ستكون ردة فعله؟ هل سيوافق على المقترح؟ هل سنتمكن من تحقيق كل ما ذُكر في العرض التقديمي من أهداف ونتائج متوقعة؟ سؤال يليه سؤال حتى بلغت مرحلة من الإرهاق الذهني المستنزف للطاقة والمشتت للتركيز، كون أن المشروع يحتمل درجة من المخاطرة من الممكن أن تؤثر على النتائج المرجوة.

هي ساعة ليست ككل الساعات التي عشتها في حياتي، نعم انقضت سريعة، ولكنها كانت ثقيلة عليّ، راقبت دقائقها وثوانيها. حان موعد العرض وراودني شعور متناقض، بين المتمكن من محتوى العرض الذي سيقدمه، والتائه الذي طلب منه أن يلقي قصيدة باللغة الهيروغليفية.

وصلت في الموعد المحدد لغرفة الاجتماعات وطُلب مني الانتظار. ومرة أخرى راودتني تلك الأسئلة المستنزفة التي ما إن تنتهي من الإجابة عن أحدها، إذ بالسؤال الثاني يتحيّن دوره ليزيد من قلقك وحيرتك. لم يطل الانتظار وسُمح لي بالدخول، وبعد السلام على الحضور جهزت شاشة العرض وبدأت بعرض نبذة عن المشروع والأهداف المتوقعة منه.

كما ذكرت فإن المشروع به جزء من المخاطرة ومن الممكن ألا يحقق كافة أهدافه، لذا كنت حريصاً على التنويه بذلك، وأثناء شرحي لتلك المخاطر التي من الممكن أن تواجه المشروع فإذا به يؤشر لي وفهمت من إشارته أنه يود أن أتجاوز هذه النقطة، وبالفعل تجاوزتها.

استرسلت في العرض، وفي آخره عدت للتركيز على مخاطر المشروع، فإذا به يسألني «هل انتهيت من العرض؟» أدركت حينها أن هناك خطباً ما، فهذه ليست المرة الأولى التي أقدم عرضاً أمامه ولكنها المرة الأولى التي يسألني فيها هذا السؤال.

طلب مني الجلوس وقال وهو يبتسم: «لأول مرة يا عبد الله أراك متردداً»، فأجبت بحماس أن المخاطر المحيطة بالمشروع ليست بالهينة. سكتَ للحظات وأخذ يتمعن في الحضور، ومن يعرفه يدرك ما تعنيه تلك النظرات، التفت لي وقال «لو كنا نجعل من المخاطر حواجز لعرقلة مشاريعنا لما وصلنا إلى المكانة التي نحتلها الآن.

ألا تعتقد أن مشاريع مثل ميناء جبل علي، ومطار دبي كانت ضرباً من الخيال في حينها وخالفت كل آراء الخبراء والمحللين الاقتصاديين؟ هل تعلم حجم المخاطر في عقد صفقة تاريخية لطيران الإمارات بعد حادثة 11 سبتمبر بقيمة 55 مليار درهم، في حين أكدت كل التقارير على أنه العام الأسوأ في تاريخ قطاع الطيران، ألم يتحدانا العالم في تأجيل مشروعي مترو دبي وبرج خليفة خلال الأزمة المالية العالمية، لكننا لم ولن نلتف للتحديات، بل نخلق منها وقوداً لنا يدفعنا للأمام.

عليكم بتنفيذ المشروع وأنا معكم وسأتابع كل خطوات تنفيذه، سأكون أقرب لكم في حال عدم تحقيق المشروع لأهدافه، أكثر من قربي لكم في حال نجاحه.

علينا أن نتحلى بالشجاعة والثقة بالنفس وأن تكون مخاطرتنا مدروسة».

كان ذلك بمثابة درس لي ولكل من كان في تلك الغرفة في تحدي المخاطر وتجاوزها، فهو القائد الملهم المحفز الذي يقف بجانب فريق عمله ويدعمه ولا تثنيه مخاطر أو تحديات عن بلوغ هدفه. إنه قائدنا سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ونحن تلاميذه.

لقد كنت محظوظاً بما يكفي لأكون تلميذاً أنهل من معين سموه، وأتعلم من رؤيته، فهو القائد الذي علمنا أنه لا وجود لكلمة مستحيل، وألا نركن للتحديات، بل نطوعها لتكون لنا دافعاً لتحقيق أحلامنا وطموحاتنا، وانطلاقاً من فكر وفلسفة سموه ورؤيته الثاقبة نعبر إلى المستقبل بكل ثقة، ولن نرضى إلا بالرقم واحد.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات