عوائق في طريق التسامح

التسامح قيمة أخلاقية عليا، له أهميته الكبرى في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في المجتمعات، وتقويم العلاقات الإنسانية، وتعزيز التعايش والسلام، وخاصة في هذه الأوقات التي تشهد صراعات وحروباً وتطرفاً وإرهاباً، ما يتطلب تعزيز ثقافة التسامح للتغلب عليها.

التسامح كأي قيمة أخرى تعترض طريقه عوائق وتحديات متنوعة، تتطلب من النخب المثقفة والعقول الواعية معالجتها، ليؤتي التسامح ثماره، ويكون شرياناً للحياة.

ومن أكبر هذه العوائق: التطرف والإرهاب والطائفية والعنصرية بمختلف صورها، فإنَّ هذه الأمراض تفتك بالتسامح، وتنشر التعصب والكراهية والأحقاد، وتجعل المجتمعات على صفيح ساخن، وخاصة مع ظهور الفضاء المفتوح وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والحلول تجاه هذه التحديات متنوعة، سواء عبر سن قوانين، أو تثقيف وتوعية.

وتأتي هنا أهمية الخطاب الديني والثقافي والإعلامي لترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وعلاج تلك الأدواء معالجةً سليمة حكيمة، تستند إلى التحليل السليم لجذورها وأصولها، وتفنيد شبهاتها بالحجة والبرهان والمنطق السليم والعاطفة المؤثرة، ومراعاة الطرح المتزن، والتجرد في ذلك كله عن أي غرض أو توظيف لتلك الأدواء لمصالح معينة، ليقع العلاج على تلك الأدواء وقوع الدواء الناجع الفعَّال، وإلا أصبح الطرح العلاجي عائقاً في طريق التسامح لسلبيته أو ضعف تأثيره.

ومن العوائق في طريق التسامح: الصراعات الفكرية التي تشوش على المعنى الصحيح لهذه الكلمة، فالمصطلح الواحد قد يختلف معناه باختلاف الثقافات والبيئات والتوجهات الفكرية، وهنا يأتي دور العلماء والمفكرين والمثقفين والإعلاميين في توضيح المعنى المناسب لهذه المصطلحات والتي تنسجم مع هوية المجتمع وثقافته، وتواكب متطلبات العصر، وتزيل أي تصور خاطئ أو لبس.

فجوهر التسامح هو حسن التعامل مع الناس، والتزام مكارم الأخلاق معهم، وإعطاؤهم ما لهم من حقوق، وألَّا يكون إكراهٌ في الدين، والتسامح ليس مجرد سلوك مزاجي أو استجابة عارضة لظروف طارئة، بل هو قيمة أخلاقية راسخة تعبر عنها السلوكيات الحضارية الراقية في التعامل الإنساني.

ومن العوائق كذلك في طريق التسامح: تسييس هذا المصطلح، كما تفعله بعض التيارات والتنظيمات والمنظمات، التي تتخذ من كلمة التسامح سُلَّماً لتحقيق مآربها السياسية، للاستيلاء على السلطة، أو نشر الفوضى في المجتمعات باسم الحقوق والحريات والتسامح، متاجرين بهذا المصطلح، محاولين إطفاء بريقه الحقيقي الذي يصب في خدمة التعايش والسلام، ليجعلوه أداة تصارع لا تناغم ووئام.

ومن العوائق في طريق التسامح كذلك: الأدلجة الفكريَّة والإفراط في النسبيَّة المعرفيَّة، التي تلغي مبدأ الصواب والخطأ والحق والباطل، ويرفض هؤلاء مصطلح التسامح، ويعتبرونه مصطلحاً استعلائياً، وأن منهجية التعامل مع الآخر في نظرهم لا بد أن تقوم على إلغاء مبدأ المخطئ والمصيب، وهذا الرأي مردود من وجوه كثيرة.

فهو يقوم على الإفراط في النسبيَّة المطلقة، ما يعني أنَّ هذا الرأي نفسه لا يمكن الجزم بصوابه ولا صحته، كما أن هذا الرأي يحمل بذور الإكراه والإجبار والتعصب، فهو يقوم على إجبار الآخر المسالم على التخلي عن إيمانه وقناعاته في مقابل أن يحظى بالتعايش، كما أن هذه النظرة تنطوي على التساهل مع مختلف الأفكار بما في ذلك الأفكار الإرهابية المتطرفة، ما يهدم مبدأ التعايش والاستقرار من جذوره.

كما أن هذه النظرة خيالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، فالعالم الإنساني تقوم سننه الكونية على الاختلاف والتضاد والتنوع، كما أن هذا الرأي يلغي فكرة التعددية والخلاف من أساسها، فإذا لم يكن هناك صواب وخطأ فليس هناك خلاف ولا تعددية حقيقية، وقد جاء في إعلان الأمم المتحدة: «إنَّ التسامح لا يعني المساومة أو التنازل أو التساهل».

إن مبدأ التسامح يعني تقبل الآخر المختلف المسالم كما هو، وهو يرادف التعايش، مع تعزيز التواصل الحضاري والتحاور الإيجابي والمجادلة بالتي هي أحسن، ونقد الأخطاء وتصحيحها، كما قال الله تعالى: {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}، وقال سبحانه: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.

ومن العوائق في طريق التسامح: أن يكون محدود النطاق، لا أثر قوياً له في حياة الأفراد والأسر، فلا يحرص الفرد على التحلي بهذه الفضيلة، ولا يمارسها في حياته اليومية، وكذلك الأسرة إذا لم تكرس ثقافة التسامح والأخلاقيات المتعلقة به من تواضع وصبر واعتذار وعفو وتغاضٍ وتصالح وعدم غيبة ونميمة وبهتان وعدوان، والتخلص من المشاعر السلبية من حقد وحسد وكراهية وتكبر، وتعزيز المشاعر الإيجابية كالتعاطف والتراحم، وتنقية العلاقات من شوائب العداوات، والدور الأسري هنا مهمٌّ في غرس هذه المفاهيم والقيم في نفوس الأبناء، لا على مستوى النصائح والتوجيهات فقط، بل على مستوى التربية العملية التي يكون فيها الوالدان قدوة لأبنائهم، متسامحين مع بعضهم ومع أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم وزملائهم.

إن العوائق التي تعترض طريق التسامح كثيرة، ولقد قدمت دولة الإمارات نموذجاً فريداً متميزاً للتسامح، وعملت على ترسيخه، ليكون جزءاً أساسياً من شخصية المواطن والمقيم، لتكون دولة الإمارات بذلك عاصمة للتسامح والتعايش.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات