سوريا إلى أين؟

البحث دائماً عن فكرة لدى كاتب المقال تكون محيرة لن يفيق منها حتى يحسمها، ويقبض عليها بقلمه.

هذه المرة، وجدت نفسي في حيرة مختلفة، لا سيما أن موعد نشر هذا المقال يوافق يوم الاثنين 31 ديسمبر، 2018، أي اليوم الفاصل بين عامين. عام مضى بحلوه ومره، وعام جديد يفرد أيامه بكل ما فيها من أحداث وقضايا، وملفات ساخنة، حاولت الهرب من ضجيج الكتابة في السياسة، خصوصاً أننا في ليلة عام جديد، لكنني لم أستطع.

وأمام أمواج سياسية متلاحقة ومتلاطمة وجدت قلمي أمام شاطئ «دمشق»، تلك العاصمة التي حظيت بزخم كبير في الأيام والساعات القليلة الأخيرة من العام المنصرم، لأتساءل وسط هذه المتغيرات السريعة: سوريا إلى أين؟

في الحقيقة، المشهد السوري أمام مستجدات مهمة للغاية، في مقدمتها انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقواته من الأراضي السورية، الذي فتح الطريق أمام قوى كثيرة تسعى بكل قوة لكي تملأ الفراغ الذي تحدثه القوات الأميركية بعد الانسحاب.

فعلى سبيل المثال، فـإن تركيا ترى خروج القوات الأميركية فرصة عظيمة لمزيد من التوسع في شمال سوريا، خصوصاً أنها ستلعب على ورقة وجود الأكراد بدعوى محاربتهم، والتغلغل في الشمال السوري، وهذا السيناريو يسعى أردوغان بقوة إليه، برغم أن القراءات تقول إن تاريخه في المنطقة سيحول دون تحقيق ذلك، وبالتالي فإنه لن يكون هناك مستقبل للحلم العثماني.

أما الحلم الفارسي، فقطعاً إيران ستحاول تحليل وتفسير الخروج الأميركي من سوريا بما يخدم مصالحها، بل إنها تعتبره مشابهاً لتجربة الخروج من العراق، وبالتالي فإنها ترى في ذلك فرصة لازدياد نفوذها في سوريا، لكن هذه الرؤية الإيرانية لا تتفق مع سجلها السياسي بالتدخل في الشؤون الداخلية بالإقليم، ومحاولتها زعزعة الاستقرار ودعمها لميليشيات عنف، مثلما نشهد مساندتها للحوثيين في اليمن.

فضلاً عن محاولاتها الدائمة إشعال فتيل الأزمات الطائفية في دول مجاورة مهمة بالمنطقة، وبالتالي نستطيع هنا القول: إن ورقة إيران بالنسبة لسوريا يمكن أن تتراجع أمام الإرادة العروبية لاستعادة سوريا ودعمها من جديد، إضافة إلى أن روسيا نفسها تعتبر أنه بخروج أميركا فإن الساحة قد خلت لها تماماً، ليس لتحقيق مصالحها في سوريا فقط، بل في الساحة الشرق أوسطية، وفى هذه اللحظة من الممكن أن موسكو ستعيد حساباتها مع طهران من أجل تحقيق مكاسب كبرى مع الدول العربية، التي ليست على وفاق مع إيران.

أما المتغير المهم في المعادلة السورية، فهو أن قرار عودتها إلى جامعة الدول العربية صار حسمه خلال العام الجديد.

أيضاً وسط كل هذا يأتي قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بعودة عملها السياسي والدبلوماسي في دمشق، ليؤكد أن الدور العربي في سوريا الفترة المقبلة، صار حتمياً وواجباً وطنياً لمواجهة التغول الإقليمي الإيراني التركي، وكذلك الأمر بالنسبة لإعادة فتح السفارة البحرينية في سوريا، فهي بمثابة رسالة واضحة وقوية على أهمية تعزيز الدور العربي، من أجل الحفاظ على استقلال سوريا ووحدة أراضيها، ومنع مخاطر التدخلات الإقليمية في شؤونها الداخلية.

إذاً في ظل هذه المتغيرات السياسية السريعة في تركيبة المشهد السوري، نستطيع القول إن الفرصة مواتية للدول العربية أكثر من أي وقت مضى، لاستعادة سوريا، ودعمها والحفاظ عليها كونها دولة وطنية عصف بها التآمر منذ ما يسمى «الربيع العربي»، وتقاذفتها أمواج الملالي وأوهام «العثمانية».

وبالتالي، فإن عودة سوريا ستكون رسالة قوية إلى مصدري الثورات وصانعي الفوضى، بأنه إذا كانت سوريا هي أكثر الدول التي تأثرت بربيع الفوضى، فإنها أيضاً ستكون أكثر الدول إعماراً واستقراراً.

وتبقى كلمة أخيرة: جميع المؤشرات تقول: إن سوريا تتجه نحو العودة إلى الدولة الوطنية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات