عام جديد أسعد

ساعات قليلة ويمضي عام 2018 ململماً متعلقاته وجامعاً أشياءه وتاركاً وراءه كغيره آثاراً عدة وتراكمات تنضم لما سبقها.

وعربياً، يمضي عام 2018 بثقل ويشبه ثقل السنوات القليلة الماضية التي ألقت بظلال وخيمة على المنطقة العربية، وذلك بدءاً من ربيع عربي كشف عن وجهه الخريفي بعد أشهر، مروراً بتفجر جماعات متأسلمة ألحقت أكبر الضرر بالدين وبالمنطقة، وما زال الكل يتجرع سمومها، وانتهاءً بملامح شرق أوسطية جديدة وتقسيمة فريدة لخارطة القوى في العالم.

العالم في 2018 لم يعد قوى متصارعة على حلبة استعراض العضلات العسكرية أو في كواليس رسم السياسات الدولية أو حتى عبر مؤامرات تجمع دولاً وتفرق أخرى، لكنه خلال عام مضى أثبت أن القوى الجديدة والعضلات الحديثة تتحدث عن نفسها عبر حروب سيبرانية وصراعات تدور رحاها في عوالم افتراضية، حيث الإمساك بأدلة الاتهام أمر فيه استحالة، والبقاء لمن يتقن لعبة الإفلات.

ولم يعد الإفلات من هيمنة خيوط العنكبوت أو سيطرة القدرات الإلكترونية الفائقة أمراً وارد الحدوث.

فالغالبية المطلقة من أنظمة العالم والقائمين عليها موجودون على شبكة الإنترنت، إن لم يكن عبر حساب رسمي على «تويتر» فمن خلال ميليشيات إلكترونية على «فيسبوك»، وإن لم يكن هذا أو ذاك فإن حروب التأثير على الرأي العام هنا أو توجيه الشعب برمته هناك عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدور دون توقف أو بوادر هدنة.

ربما بوادر الهدنة الوحيدة تلوح في الأفق في ظل انشغال الغرب بمشكلات داخلية وأخرى بينية حيث صراعات جيوسياسية غير محسومة، وصراع ديكة اقتصادية مرشحة للتفاقم، وخروج بريطاني من اتحاد أوروبي غير واضح المعالم، وآثار احتجاجات سترات صفراء لم تحل جذرياً، واستمرار تبلور مشكلات ناجمة عن موجات هجرة ضخمة من المنطقة العربية إلى الغرب لم تخمد بعد أو تخفت حدتها.

حدة المشكلات غير المحسومة في أماكن بعيدة عنا، ربما تعطينا فرصة لالتقاط الأنفاس وتدبر الأمور ولملمة شؤوننا المبعثرة.

ولعل خبراً مثل إعادة فتح سفارة دولة الإمارات في دمشق في الأيام القليلة الأخيرة من عام 2018 يشير إلى بوادر استقرار نسبي في المنطقة بعد سنوات طويلة من الصراع الذي أنهك الجميع، وداعش التي أعيت الكل.

الجميع في العالم العربي ينظر إلى كل عام منصرم، وكأنه سيضع كلمة النهاية أمام ما حمله من فوضى وعشوائية ومصاعب اقتصادية وصراعات مذهبية، لكن الكل أيضاً غير مدرك لأن الفوضى لا تذهب بين ليلة وضحاها، والعشوائية لا تقضي على نفسها بنفسها والمصاعب الاقتصادية لا تقضي عليها إلا الإصلاحات الجذرية والبرامج الحيوية.

كذلك الصراعات المذهبية لا تهدأ إلا بإدراك يقيني أن الدين لله والأوطان للجميع والعقائد والمذاهب والأديان لا تعني إلا معتنقيها.

مثل هذه الإدراكات لم يظهر لها بوادر واضحة بعد في أغلب البلدان العربية. صحيح أن البعض أظهر خلال عام مضى مؤشرات تشير إلى مقدمات لإنجازات على طريق الاقتصاد والاستقرار، إلا أن ما عدا ذلك من منظومات فكرية وموروثات عن العقيدة والمذهب ما زالت في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة ومعاودة صياغة.

صياغة المنطقة العربية في عام 2019 تبدو أقرب ما يكون إلى فك لوغاريتمات ما أنزل الله بها من سلطان. فالأيادي الغريبة كثيرة، والأطماع الأجنبية عدة، والأهداف والأغراض لا تعد أو تحصى.

والعرب أنفسهم منهم من خرج لتوه من سنوات عجاف أُهدرت في صراعات بدأت ثورية وسرعان ما تحولت مذهبية وخرائبية، ومنهم من وجد نفسه منغمساً في محاولات وأد والسيطرة على بوادر الاحتجاج خوفاً من أن تؤول الأوضاع إلى ما آلت إليه في دول مجاورة.

ومنها من سلم نفسه تسليماً كاملاً لإشاعة الفتن في دول الغير ونشر الخراب فيها رغم كونها دولاً صغيرة لا تقوى أن تعيش في عزلة عن جيرانها.

ولحسن الحظ أن في المنطقة العربية عدداً من الدول ممن تمكنت من النجاة بنفسها. وعلى تلك الدول أن تمعن في تقاربها، وتعمل على تدارك ما وقعت فيه دول أخرى اتقاءً لشرور التشرذم وابتغاء المضي قدماً في مسيرة مستقبلية تعد بما هو أفضل للمواطن. وهنا تأتي الإمارات نموذجاً حياً لما يمكن للدول الراغبة في التقدم أن تفعله في عام مقبل.

فبين مبادرات تنموية، إلى قدرات على استشراف المستقبل واتخاذ إجراءات آنية للاستعداد له، إلى تحقيق مراكز بالغة التقدم في تقارير التنافسية وكفاءة الإنفاق الحكومي ومكانة جواز السفر الإماراتي وتقديم المساعدات الإنسانية الطارئة واستيطان الفضاء وتعزيز دورها كمركز عالمي للتسامح، تقدم الإمارات نفسها نموذجاً يحتذى في عام 2019 للباحثين عن مستقبل أفضل وإنجاز أكبر وعام جديد أسعد.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات